عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Aug-2026

"سألتني الحروف".. ديوان لـ خالد حازم نسيبة يحتفي بالمحبة والوفاء

 الغد-عزيزة علي

 صدر للشاعر خالد حازم نسيبة ديوان بعنوان "سألتني الحروف"، في تجربة أدبية تتكئ على الشعر بوصفه مساحة للتأمل في قضايا الروح والإنسان والوطن، وتطرح جملة من الأسئلة المتصلة بالمعنى والإيمان والحرية والوفاء، ضمن نصوص تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع الهم العام.
 
 
ويحضر في الديوان البعد الروحي والوجداني إلى جانب الحس الوطني والعروبي، من خلال قصائد تستحضر سيرة النبي محمد ﷺ، وتتوقف عند القدس والكرك ومصر بوصفها رموزا حاضرة في وجدان الشاعر، فضلًا عن قصائد تتناول جدلية القضاء والقدر، وقيم المحبة والإنسانية والصداقة والوفاء.
في كلمة على غلاف الديوان، يرى الناقد والناشر سمير اليوسف أن الشاعر "لا يكتفي بأن يجعل القصيدة مساحة للتعبير عن الوجدان، بل يحولها إلى رحلة في البحث عن المعنى، مشيرًا إلى أن الحروف في الديوان تتعانق مع أسئلة الإنسان الكبرى، ويتجاور الإيمان مع الوطن، والتاريخ مع الحاضر، والذات مع الآخر، ضمن نسيج شعري يؤمن بقدرة الكلمة الصادقة على الهداية والبناء وإبقاء جذوة الأمل متقدة مهما اشتدت العتمة.
ويضيف اليوسف أن قصائد الديوان تتنقل بين محطات روحية ووطنية وإنسانية، لكنها تلتقي عند رؤية واحدة ترى في الشعر رسالة للوعي قبل أن يكون زينة للغة، وفي الحرف مسؤولية قبل أن يكون أداة للقول. ومن هذا المنظور، تغدو القدس رمزا للكرامة، والتاريخ مرآة للحاضر، فيما يصبح الإنسان محورًا لرحلة لا تنتهي بحثا عن الحقيقة والعدل والمحبة.
ويخلص اليوسف إلى أن الديوان (يكتب بروح تؤمن بأن الأسئلة الكبرى لا تنتهي عند حدود القصيدة، بل تبدأ منها)، وأن الحروف حين تكتب بصدق لا تكتفي بوصف العالم، بل تسهم في إعادة اكتشافه، وتدعو إلى الإصغاء لصوت الإنسان وهو يبحث، وسط ضجيج الحياة، عن نور المعنى ويقين الكلمة".
وفي تقديمه للديوان، يشير الدكتور عبد الله زيد الكيلاني إلى أن الوقوف على عتبات ديوان خالد حازم نسيبة الجديد "سألتني الحروف"، وهو عنوان إحدى قصائد الديوان التي تعكس تساؤلات الروح، "ليس مجرد قراءة في نصوص أدبية، بل هو رحلة في وجدان إنسان مسكون بحب الله، ومهموم بقضايا أمته، ومخلص لمعاني الإنسانية والوفاء.
ويضيف أن الشاعر عوّد القراء في ديوانيه السابقين "موسم الورد"، "هام قلبي"، على أن تكون الكلمة لديه رسالة، والشعر أداة للبناء الروحي والفكري. ويرى أن الديوان الثالث يمثل "نضجًا استثنائيًا وتجليًا واضحًا لملامح الحكمة"، حيث تتألق الحروف وتطرح أسئلتها الوجودية.
ملامح التجربة الشعرية حيث يلفت الكيلاني إلى أن الديوان يمتاز بخصائص فنية تتوزع على أربعة مسارات رئيسة، هي: النزعة الروحانية التي تستحضر سيرة المصطفى ﷺ، والنبض العروبي الذي يجعل القدس والكرك ومصر صنو القلب في وجدان الشاعر، والتأمل الفلسفي الذي يخوض في جدلية القضاء والقدر، إلى جانب البعد الإنساني والوفاء للأخلاء.
"كأس المحبة" الرمز في مواجهة مرارات الحياة وفي قراءته لقصيدة "كأس المحبة"، يرى الكيلاني أنها تمثل نموذجًا للنصوص التي تتجاوز اللحظة الراهنة لتغوص في قضايا الوجود، لافتًا إلى تداخل الرمز بالواقع فيها عبر ثلاثة محاور.
ومن أبرز هذه المحاور حضور "بشار" بوصفه رمزًا؛ إذ يرد الاسم في قول الشاعر: "أحب بشارًا أخو الإخوانِ"، لا بوصفه إشارة إلى شخص فحسب، وإنما باعتباره رمزًا للبشارة والفرح اللذين يحميان الشاعر من مرارات الحياة.
ثنائية الجسد والروح والمحبة منهجًا حيث يتوقف الكيلاني عند ثنائية الجسد والروح في الديوان، مبينًا أن الشاعر يصور تطلعه إلى الحرية في قوله: "يتوق إلى فكاك من السجانِ"، حيث يظهر السجان بوصفه رمزًا للقيود المادية، أو لسجون الظلم الواقعية التي تحول دون صفاء الإيمان.
وفي مقابل القيود، يقدم الشاعر المحبة بوصفها منهجًا وترياقًا، مصورًا قبح التفرقة في قوله: "وشمس الحقيقة أننا لم نخلق لسياسة / تفرق القوم بإيمان وكفرانِ".
"وداعًا صديقي"، الصداقة بوصفها تاريخًا فكريًا يقدم الكيلاني قراءة نقدية لقصيدة الرثاء "وداعًا صديقي"، معتبرًا إياها شهادة أخلاقية و"بورتريه"، شعريًا لصديقه الراحل حسين صحصاح. ويبرز النص ثنائية الألم والصلابة في تجربة الراحل، كما يصورها الشاعر في قوله: "تألقتَ أديبًا جسورًا في الحياةِ مصارعًا/قد عشتَ رغم شدةِ الكمدِ".
وقوله: "كابدْتَ المرضَ منذ طفولةٍ مبكرةٍ شللًا/قد أصابكَ وقد حمدْتَ واصطبرتَ".
ويرى الكيلاني أن ما يميز هذه الرثائية هو تحويل الصداقة من علاقة عاطفية إلى "تاريخ فكري"، مشترك؛ فقد كان الراحل نموذجًا للعصامي الذي صهرته المعاناة، وهو ما يبرز في وصف الشاعر لسموه الأخلاقي: "أعجبَ الصديقَ والخصمَ بتقواكَ سلوكُكَ/ثمرةُ مجاهدةِ النفسِ والكمدِ".
ويعكس الشاعر كذلك صورة الراحل بوصفه إنسانًا مخلصًا لله وللناس، وبنّاءً في حياته ومهنته، ومتقد الفكر وشغوفًا بالمطالعة، فيقول: "بَنّاءُ العمرانِ في مدنٍ مختلفةٍ في/مهنةِ الآباءِ قديرًا ومحترفًا". و:"متقدَ الفكرِ شغوفًا بالمطالعةِ تناقشُ/بدليلِ الدينِ وتصيغُ الفكرةَ".
وينتهي نص الرثاء بلمسة وفاء دافئة، يمتزج فيها الحزن بالاعتزاز، فيقول الشاعر: يا رفيقَ الدربِ على مدى عقودٍ طوالٍ فأنت/من خيرِ من عرفنا في المسيرةِ".
ويخلص الكيلاني إلى أن ديوان "سألتني الحروف"، يمثل دعوة مفتوحة إلى التفكر، وواحة يستظل بها المتعبون من ضجيج الحياة المادية. ويرى أن الشاعر نجح في تحويل الحيرة الفلسفية والألم الواقعي إلى نص يحتفي بالقيم، لتظل المحبة لديه "سيدة الأكوان" التي تكسر القيود كافة.