الراي
استعرضت في مقالين سابقين غياب الرواية الأردنية عن حضور الأردن الواضح في حركة التدافع الحضاري منذ عصر ما قبل التاريخ حتى العصر العثماني، وكيف نشأت الممالك والحضارات فوق أرض الأردن التي صنعت أنصع صفحات التاريخ وكتبتها بمداد من الدماء والبناء، فصارت متحفا ضخما تشهد على عظمته وعظمة أهله.
وفي العصر العثماني لم يغب الأردن عن صناعة الحدث وكتابة التاريخ، فكان مكونا اساسيا من مكونات طريق الحج والعمرة إلى بيت الله الحرام، وكان أهل الأردن حراس قوافل الحج والتجارة وحماتها، الذين شيدت على أرضهم وبسواعدهم سلسلة قلاع لحماية القوافل وراحتها، وقد زاد من أهمية الأردن أرضا وشعبا، أن جزءا طويلا من خط الحديد الحجازي كان يمر عبر الاردن، حيث كان هذا الخط يربط بين دمشق والمدينة المنورة، والذي اختصر المدة التي كان يحتاجها الحاج من الآستانة إلى المدينة المنورة من أربعين يوما إلى خمسة أيام، وقد كان هذا الخط وسيلة ربط بين الأردن وسوريا وفلسطين ومصر والحجاز وخط لتفاعل الأردنيين مع اشقائهم في هذه المناطق، ولم يقتصر دور الاردن والاردنيين في العهد العثماني على حراسة القوافل، بل كانوا شركاء يساهمون في إدارة مرافق الدولة، بما في ذلك الجيش، ويكفي في هذا المجال أن نذكر اللواء علي خلقي الشرايري والقائد خلف التل والقائد احمد التل (ابو صعب) وعلي نيازي التل الذي كان ولي ديار بكر.
وعندما استولت جمعية الاتحاد والترقي على السلطة في الدولة العثمانية، وبدأت باضطهاد العرب، كان الأردنيون من أوائل من ثاروا على هذا الاضطهاد، فكانت ثورة الطفيلة، وكانت ثورة الشوبك، وكانت ثورة الكرك بقيادة قدر المجالي والتي شكلت جميعها إرهاصات الثورة العربية الكبرى ومقدماتها، وللحديث صلة.