الحنين إلى الماضي*د. محمود عبابنة
الغد
عندما ننظر إلى خطابنا ولسان حالِنا المعاصر، نجد كثيراً من الحنين للماضي، وكثيراً من تقديس الماضي وشخوص الماضي، وهذا أمر يثير كثيراً من الأسئلة، ويحتاج إلى تفسير وتحليل، لماذا نحن أمّة ماضوية ولا ننظر لا للمستقبل وإلى البعيد، مسكونون حتى العظم بالماضي؟
هل فعلاً كان الماضي جميلاً مثاليّاً؟ ولعل نظرة متأملة إلى الأمثلة التي يتم سوقها دائماً على مدى (1400) سنة، منذ بداية التاريخ الإسلامي تتكشف عن أنّ من يتم ذكرهم على سبيل الإشادة هم بعض القادة فقط، وعلى سبيل المثال عندما نذكر عهد الخلفاء تتجه الأنظار إلى حقبة الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب الذي سبق مونتسكيو بقرون عندما أطلق مقولته المشهورة المقولة العظيمة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟»، وجذر مفهوم المسؤولية عندما قال «لو أن بغلة عثرت بالعراق لسألني الله عنها يوم القيامة: لِمَ لًمْ أسوِّ لها الطريق؟»، وإن كان هناك أمثلة أخرى لكن بنسبة أقل عن باقي الخلفاء رضوان الله عليهم، وإذا انتقلنا إلى العهد الأمويّ يبرز لنا عهد عمر بن عبد العزيز الذي عزل الولاة الظالمين وعاقبهم، وفي العصر العبّاسي يبرز لنا المأمون الذي شجّع على التّرجمة، والحجاج ومسلمة بن عبد الملك اللذن أسهما بكثيراً من الفتوحات، والمعتصم الذي استصرخته سيّدة عربيّة مظلومة، فأجاب ولبّى.
ولكن الأمثلة قليلة قياساً بالمدّة الزّمنية الكبيرة التي شهدت حروباً لم تنقطع يوماً واحدا على الحكم والرياسة والخلافة على رأي المفكر العربي أدونيس، وهذا أيضاً مثارٌ للتّساؤل.
والحقيقة الماثلة أمامنا تؤكد سيطرة الإمبراطوريّة الإسلامية على بقاع واسعة من الكرة الأرضية وتمكن هذه الإمبراطورية من فرض نفسها وثقافتها على العالم ، والسؤال الكبير هو: هل كان هذا بسبب قدسية هؤلاء الناس، هل كانوا فعلا قدّيسين مخلصين مجاهدين زاهدين بالحياة ومتعها محققين للعدل بين شعوبهم ومع الآخرين؟ ربما يصدق ذلك إلى حد كبير في زمن دولة المدينة الراشدة، إلا أنه ومنذ أن تسلم معاوية الملك العضوض تغيرت كثير من المفاهيم الحوكمية لإدارة الدولة بل تجاوز ذلك إلى تطبيع حياة المجون والترف لحكام العصر الأموي والعباسي وما بعدهما، فأصبح اقتناء الجواري والإماء والعبيد والغلمان أمراً شائعاً وقد يغنينا كتاب «الأغاني» لأبو الفرج الأصفهاني، وكتاب «فقه الإماء والجواري والعبيد والمماليك وزواج المتعة» للمفكر العربي الأردني حسني عايش عن الاستفاضة بهذا الفصل الطويل من تاريخ خلفاء الدولة الإسلامية.
كما أنه وخلال سيادة العالم من الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة لم يكن الناس ملتزمين بتعاليم الدين وكانت المخالفات الشرعية ترتكب جهاراً نهاراً أمام الناس ، و قد سالت دماء المسلمين أنهاراً على أيدي مسلمين، وحصلت فتن ومعارك كبرى بين الإخوة وأبناء العمومة، إلا أنّ ازدهار الحضارة وبالقدر الذي كان، كان تحت العباءة الإسلامية، والتي وفرت لهذه الحضارة المناخ المناسب بعد أن توفرت الفرصة التاريخية لسيادتها نتيجة ضعف وانهيار منظومات إمبراطورية أخرى، ولا شك أن الحافز الديني قد لعب دوراً مهما في انتشار ونجاح هذه الإمبراطوريات الإسلامية في السيطرة على بقاع كبيرة من الأرض، وإن شعوباً كاملة قد دخلت الإسلام وبقيت على الإسلام، مثل بلاد شمال أفريقيا وبلاد فارس والسند والهند وغيرها، بينما بقيت بلاد على دينها الأصلي بعد مرور (800) سنة من حكم الإسلام لها مثل الأندلس.
ولعل تفسير ذلك يعود إلى أن المناطق التي انتشر بها الإسلام وبقيت عليه كانت بالغالب مناطق وثنيّة أو تتبع أديانا ومعتقدات غير سماويّة، فكانت رسالة الإسلام السماويّة نقلة معرفية كبيرة لهم وأجابت على تساؤلات لم تستطع تلك المعتقدات أن تجيب عليها، أو كانت الإجابات لها، إجابات ساذجة وبدائيّة، أما في المناطق التي سادت بها رسالات سماوية كالمسيحية واليهودية، فلم يكن التباين بينها وبين الإسلام تباينا كبيرا لدرجة تؤدي إلى هجرة كلية إلى الإسلام وترك هذه الديانات كما حصل مع المعتقدات الأخرى.
قادة الماضي لم يكونوا قديسين وإن كان بينهم فضلاء، ونحن لسنا بشياطين وإن كان بيننا من هو كذلك، الفرق بيننا وبينهم، أنهم أتقنوا أدوات عصرهم ونظروا للأمام، ونحن أهملنا أدوات عصرنا وسكنّا في الماضي، ونريد أن نقلّدهم في هذا العصر، ولكن في سياقات تاريخية كانت مقبولة في الزمن الغابر فقط، فهل نصحو من غفوة الماضي ونتخلص من عقدة الاصطفائية وننظر إلى المستقبل؟