عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jul-2026

الثابت والمتحول في العلاقة بين إيران وحزب الله* رجا طلب

قناة الغد  -

لم تكن العلاقة بين إيران وحزب الله يومًا علاقة دعم تقليدية بين دولة وحركة مسلحة، بل كانت منذ التأسيس عام 1982 جزءًا من بنية استراتيجية متكاملة صاغتها طهران لتكون ذراعها الأهم في شرق المتوسط، وأحد أعمدة ما عُرف لاحقًا بـ«محور المقاومة»، إلا أن الحرب الأخيرة، بكل ما حملته من خسائر وتحولات، أعادت طرح سؤال جوهري: هل ما زالت إيران تنظر إلى حزب الله بوصفه «جوهرة تاجها» الإقليمي، أم أن كلفته باتت أعلى من عائده السياسي؟

 
في الحقيقة أن العلاقة بين الطرفين قامت على ثلاث ركائز اساسية ما زالت ثابتة: أولا العقيدة، ثانيا: الجغرافيا، وثالثا: المصلحة.
 
أما من ناحية العقيدة فمنحتها الشرعية الأيديولوجية؛ فحزب الله لم يخف يومًا انتماءه الفقهي والسياسي لولاية الفقيه، أما الجغرافيا، فقد جعلت لبنان خط تماس مباشر مع إسرائيل، ما منح إيران قدرة ردع متقدمة من خارج حدودها، لكن الركيزة الأهم كانت دائمًا المصلحة: إيران تحتاج حزب الله بوصفه منصة ضغط استراتيجية، وحزب الله يحتاج إيران كمصدر تمويل وتسليح وغطاء سياسي، والكثير من الدراسات الحديثة تشير إلى أن طهران لا تزال تعتبر الحزب جزءًا مركزيًا من منظومة ردعها الإقليمية رغم تراجع فعالية نموذج الوكلاء بعد الحروب الأخيرة التى شنتها واشنطن مع تل أبيب على إيران، غير أن الحرب الأخيرة هزّت هذه المعادلة بعنف، فعلى الرغم من أن إسرائيل نجحت في إلحاق ضرر كبير بالبنية العسكرية للحزب، وتوسعت المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة، ظهر حزب الله بمظهر غير القادر على امتلاك هامش المناورة ذاته الذي امتلكه بعد حرب 2006، فالتقارير الأخيرة تتحدث عن خسائر بشرية كبيرة، وضغط ميداني متواصل، ومحاولات إسرائيلية لتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عازلة طويلة الأمد.
 
من جهة ثانية، كشفت الحرب أن حزب الله لا يزال بالنسبة لإيران خط دفاع متقدم لا يمكن التفريط به، بدليل أن طهران ربطت جزءًا من مفاوضاتها الإقليمية بمصير الجبهة اللبنانية، وأصرت على إدراج وقف إطلاق النار مع الحزب ضمن أي تفاهمات أوسع لكن من جهة أخرى، أظهرت الحرب أيضًا أن اعتماد إيران المفرط على حزب الله بات يحمل معه خطر استدراج مباشر لطهران إلى مواجهة مكلفة ليست مستعدة لها هذه الأخيرة وهذا هو جوهر التحول، فإيران باتت تتحسس أن حزب الله أصبح عبئا استراتيجيا محتملا، ففي السابق كان الحزب يمثل «الردع من بعيد»، أما اليوم فقد أصبح مصدرا «لاستنزاف من قريب»، فكل ضربة للحزب باتت تُضعف جزءًا من صورة إيران نفسها، وكل تراجع في قدرة الحزب العسكرية ينعكس مباشرة على هيبة المشروع الإيراني في الإقليم وهو ما جعل الحزب يرى نفسه أمام أزمة مركبة، فهو عسكريًا لا يزال الأقوى في لبنان، لكنه سياسيًا يواجه بيئة داخلية بدات تتفجر فيها ملامح العداء له، واقتصاديًا يواجه عبء إعادة الإعمار، وشعبيًا يواجه سؤالًا لبنانيًا صعبا: هل يدفع لبنان ثمن حروب إيران؟ وهذه النقطة بالذات قد تكون أخطر من الصواريخ ، لأن العلاقة بين الطرفين لطالما بُنيت على فكرة أن الحزب يحمي لبنان عبر الردع، لكن إذا تحول في الوعي اللبناني إلى سبب دائم للحرب، فإن شرعيته الداخلية ستتآكل، حتى لو بقيت قوته العسكرية.
 
وإذا أردنا وضع تصور للسيناريوهات المقبلة فيمكنني إجمالها في ثلاثة احتمالات:
 
أولًا: تعزيز التحالف وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب ، إيران ستزيد دعمها للحزب لإعادة ترميم قدراته، لأنها تدرك أن خسارة حزب الله تعني انكسارًا استراتيجيًا لمحورها.
 
ثانيًا: إعادة هيكلة العلاقة بمعنى تقليص الطابع العسكري المباشر، وتحويل الحزب تدريجيًا إلى لاعب سياسي أكثر منه ذراعًا قتالية، مع الاحتفاظ بقدرات ردع محدودة، وهذا خيار قد تفضله طهران إذا أرادت تخفيف كلفة المواجهة.
 
ثالثًا: فك ارتباط تدريجي غير معلن وهو الأضعف احتمالًا، لكنه ليس مستحيلًا، فيمكن أن يحدث إذا اقتنعت طهران أن الحزب أصبح عبئًا ثقيلا لا تستطيع دفع كلفته، وبخاصة إذا دخلت إيران في تسويات كبرى مع واشنطن، غير أن المؤشرات تقول إن الحرب لم تُضعف العلاقة بين إيران والحزب، بل جعلتها أكثر عضوية وأكثر هشاشة في الوقت نفسه وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فكلما احتاجت إيران حزب الله أكثر، زادت كلفة الاحتفاظ به، وكلما احتاج حزب الله إيران أكثر، تقلص هامش استقلاله.
 
إنها علاقة قوة... لكنها أيضًا علاقة مأزق.
 
وربما هذا هو التوصيف الأدق للمرحلة المقبلة: تحالف لم ينكسر، لكنه لم يعد كما كان.