الدستور -
فقد العالم العربي قبل أيام رجلاً لم يبخل بعطاء من أجل وطنه ، ولم يدخر جهدًا للدفاع عن قضايا أمته ، ولم يقصر يومًا في أداء رسالته وهو الأستاذ "صلاح الدين حافظ" الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب ، الذي حقق نجاحًا وتفوقًا من خلال عمله أمينًا عامًا للاتحاد لثلاث دورات متتالية منذ عام .6991. وهي المهمة التي اكتنفها العديد من المصاعب التي عبر عنها بنفسه عندما حكا تجربته قائلاً: "لقد استلمت المنصب اسمًا فقط: فالاتحاد لم يكن فيه ورقة أو ملف أو كرسي أو مقر أو تليفون أو ميزانية".. أما الآن بات مؤسسة عربية لها ثقلها وتضم عشرين نقابة.
أذكر أني التقيت "صلاح الدين حافظ" أول مرة في شهر أغسطس عام 1991 بالكويت تلبيةً لدعوة من سمو الشيخ "سعد العبدالله السالم الصباح" ـ رحمه الله ـ ولي عهد الكويت آنذاك ، في الذكرى الأولى للغزو العراقي مع 70 شخصية إعلامية وسياسية وثقافية عربية. وأثناء حفل غداء أقامه الأمير الراحل الشيخ "جابر الأحمد الصباح" ـ طيب الله ثراه - أخذ كل من المدعوين يدلي بدلوه بإدانة الغزو والإعراب عن الفرحة لتحرير الكويت: حيث غلبت على بعضهم العصبية والانفعالية ، غير أن "حافظ" بدا عقلانيًا وموضوعيًا: إذ تحدث عن آثار الغزو وكوارث الحروب ، داعيًا إلى عدم معاقبة الشعوب التي أيدت أنظمتها الغزو بجريرة حكامها ، فالكويت خرجت من أزمتها ولها من الأصدقاء ما يغنيها عن ظلم الأشقاء ، وطالب الجميع بتقديم صوت العقل ومحاولة تجاوز الأزمة وتضميد الجراح التي خلفتها بما يوقف نزيف دم العالم العربي ويخدم تضامن شعوبه ، ما كشف عن حقيقة هذه الشخصية التي لا ترى للحق سوى وجه واحد لا يتغير بتغير الزمان أو المكان.
وحين استمعت إليه أثناء حضوري مؤتمر الإصلاح العربي الأول الذي انعقد بمكتبة الإسكندرية في الفترة من 12 إلى 14 مارس 2004 تلمست من كلماته حجم الهموم التي يحملها قلب وفكر هذا الرجل تجاه قضايا وطنه العربي: حيث طالب المؤتمر بالوضوح والصراحة مع الحكام وعدم المهادنة في سبيل تحقيق الإصلاح.
وقد أهلته سمات شخصيته الواعية والمحاربة ليحفر اسمًا لامعًا في المجال الإعلامي العربي ، وحاز العديد من الجوائز تقديرًا لإسهاماته ومجهوداته في سبيل إعلاء كلمة الإعلام الحر ، ومنها: الميدالية الذهبية للمنظمة العالمية للصحفيين ، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى ، وجائزة مصطفى وعلي أمين لدفاعه عن حرية الصحافة ، وشهادة الاستحقاق من جامعة القاهرة لدوره في الصحافة والعمل العام ، ووسام الصحافة العربية عام 2002 ، كما اختير شخصية العام الإعلامية على المستوى العربي لعام 2006 من نادي دبي للصحافة ، وأخيرًا نال جائزة نقابة الصحفيين المصريين يوم 7 ـ 8 ـ 2007 وسلمه إياها الكاتبان الصحفيان "محمد حسنين هيكل" و"كامل زهيري".. وهي أكبر جائزة تمنحها النقابة للمبدعين الذين أثروا المجتمع بكتاباتهم ، وآخر الجوائز التي تسلمها هذا العام 2007 ـ 2008 جائزة المنظمة العربية لحقوق الإنسان على ما كان يقدمه من أجل إعلاء شأن الإنسان والتعريف بحقوقه والنضال من أجلها.
وكعادته.. لم يكتف بما حققه في محراب العمل الصحفي والإنساني: حيث امتدت معاركه لتشمل محاربة الديكتاتورية والفساد ، وذلك من خلال سعيه لتنظير العلاقة التفاعلية التي تربط الصحافة بمكونات بيئتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، مؤمنًا بأن حرية الصحافة والرأي والتعبير هي قاطرة الديمقراطية السليمة ومنارة الحكم الرشيد ، فقد كان "حافظ" عاشقًا للحرية ومدافعًا عنها انطلاقًا من قناعاته بأهميتها كأساس لبناء تقدم العالم العربي وسببًا من أسبابه ، وليس مظهرًا من مظاهره التالية أو تداعيًا من تداعياته اللاحقة ، فأصدر نحو 15 كتابًا قدم من خلالها تقييمًا للواقع السياسي والحريات الإعلامية بالمنطقة ، منها: "أحزان حرية الصحافة" ، و"عرب بلا غضب" ، وآخرها كتاب "تحريم السياسة وتجريم الصحافة".
وفي إطلالة بانورامية على رؤاه الإصلاحية نجده قد استوقفته بشدة العلاقة بين الإصلاح السياسي والصحافة باعتبارهما صنوان لا ينفصلان ، وبنظرته العميقة كشف عن تداعيات ذلك الزواج غير المشروع بين رؤوس السياسة وأقلام الصحافة وتأثيره في كبت القدرات الشابة واحتكار المناصب وسيادة مفهوم "الرجل الضرورة" ، فقد ظل "صلاح الدين حافظ" منحازًا للأجيال الجديدة.. انحيازًا ينبع من إيمانه بقدراتهم في التطوير والإبداع ، وعند تسلمه جائزة نقابة الصحفيين المصرية أكد أنه يعرف خمسين شابًا يصلح كل منهم لأن يكون نقيبًا.
وقد رفض قبل رحيله بأيام ، الترشح لانتخابات رئاسة اتحاد الصحفيين العرب المقرر انعقادها هذا الشهر ، معللاً ذلك برغبته في السماح بتداول السلطة ، مؤكدًا أنه "من غير المعقول التحدث عن الديمقراطية ليل نهار ، دون أن نطبق ذلك على أنفسنا" ، ما جعله نموذجًا للرجل الذي يؤمن بما يحارب من أجله ، ويعمل بما يؤمن به.
ولم يقتصر "حافظ" في كتاباته على هموم الحريات والديمقراطيات ، وإنما انطلق ليعبر عن هموم أمته العربية ، ومنها كتابه الشهير "كراهية تحت الجلد" الذي قدم من خلاله توصيفًا دقيقًا للعلاقات العربية ـ الأمريكية ، فضلاً عن كتابه "تهافت السلام: المصير العربي في ظل الهيمنة الإسرائيلية" الذي حذر فيه من تزايد النفوذ الإسرائيلي على المنطقة وعلى قضية الصراع بكافة أبعادها.
ولي مع "صلاح الدين حافظ" تجربة تعاون من خلال عضويته في مجلس الفكر العربي التابع لمركز الخليج للدراسات الاستراتيجية الذي تأسس عام 2004 ، والتي سمحت لي بالتواصل معه عن قرب والكشف عن شخصيته كمدافع عن الديمقراطية ومحارب من أجل سيادة الحريات ، فقد قال عنه أستاذه الكاتب الكبير "محمد حسنين هيكل" : "ما يمكن أن يقال عن صلاح الدين حافظ ، أنه واحد من قلائل ظلت رؤوسهم مستقرة وثابتة فوق أكتافهم ، في زمان التوت فيه الأعناق ، وفي مكان دهمته فوضى عارمة ، باعدت بشدة بين ما هو طبيعي وما هو واقعي".
إن الكلمات لن تفي أخي وصديقي الأستاذ الراحل "صلاح الدين حافظ" حقه ، ولكني أردت أن أقدم شهادة متواضعة على قليل مما قدمه لقضايا أمته التي منحها عمره وجهده ، فكان مثالاً للكاتب الحر النزيه العاشق للحرية ، رحمه الله.
* سفير جامعة الدول العربية في لندن ودبلن سابقًا