Saturday 6th of June 2026
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    17-May-2011

'فم أعمى وذاكرة خرساء' رانة نزال:... جدل الذات والكتابة

القدس العربي -

عمان ـ 'القدس العربي': بلغة شفيفة عميقة ونابضة بالحياة، بالثقافة بالعلاقة بالآخر - الأديب والشاعر والكاتب ـ انبرت رانة نزال للتفاعل مع مجموعة من القضايا الأدبية والثقافية من خلال معالجتها نقداً وتحليلاً وعرضاً لم يخل من التفكيك أحيانا ومن المعالجة النفس تحليلية في أحايين أخرى.

لتجمع بين دفتي كتابها الجديد 'فم أعمى وذاكرة خرساء' والصادر عن دار 'أزمنة' سلسلة من المقالات التي نشرتها في صحيفة 'الوقت' البحرينية وفي الصفحات الثقافية الأدبية منها، لتضمها بين صفحات كتابها الذي قدم له الكاتب والصحافي رشاد ابو داود، الفم الأعمى والذاكرة الخرساء، فتضيف بذلك إلى رصيدها الأدبي والشعري الذي تمثل في ثلاثة دواوين شعرية هي 'فيما كان' و 'مزاج أزرق' و 'بيت العين' ومجموعة المختارات الشعرية المترجمة إلى الإنكليزية 'شمس باهتة' والتي ترجمتها الشاعرة فاطمة ناعوت وكذا الدراسة النقدية المختصة في قصيدة أنسي الحاج والتي حملت اسم '(لن) بين المطرقة والسندان' مجموعة مقالات تناولت من خلالها الكاتبة الهمّ الأدبي والشعري من زاويته الوجودية الإنسانية بعداً وأفقاً وحراكاً، فتعددت عناوين المقالات وتنوعت موضوعاتها بين القضايا الأدبية الجدلية كالترجمة والكتابة كغاية ومغزى، والكتاب كتجارب تنحاز للاسئلة الأعمق والأقدر على الغور في البعد الإنساني. تقول الكاتبة في حديثها عن التجربة الشعرية للشاعر قاسم حداد:

'هي الرحلة الأصعب لا على طريقة فدوى طوقان في رحلتها الجبلية، بل على طريقة العُبّاد الذين يقطعون القفار، ويرتادون الصحارى والجرود ليقدموا قرابينهم بين يدي المتقرب إليه، إلا أنك هنا تضع بعضك بين يدي بعضك الآخر الذي يقدمه هولك، إنه يعرفك على غيرك من أشباهك وصورك فيك، فتعمى لشدة الضياء، وتعي أنها حجاب شدة القرب، هذا مقام تنويري، تجهز نفسك له بأعطافك وقفا طينك، فأدخل بياضه ببياضك، واترك لضياه أن ينورك.

هكذا أقبل على ما يكتب قاسم، وأعرف أني لن أتهم بالمرآة، لأن من يقرأ قاسم ويرقى في معاريجه يعرف أن ما أقول بعض ما يصيب منه، بعض دائه الذي يمسنا، وبعض أدويته التي تسعفنا في وصفاتها السحرية الخلبية.

أنت تلج نصاً فاتحا، بلغة أنيقة، نصاً هائلا ً في قدرته على اختزال واعتصار المعاني، وتقطير المغازي، يلقي بنفسه على أريكة في استرخاء تام، في استجمام رائق، يُقرفصُ ويقص عليك حكايته.

لغة عالية، مشرفة، مطلة من مسافات تجعل من الكلام غير الكلام، ومن الصور غير الصور، لغة ليست بجريحة ولا بفضيحة.. لغة عصية على أن تقول ذاتها، من حيث هي قادرة على قول كل ما غيرها، لغة يصعب قياس الانفعال الأساسي الضابط لنبضها، فلا التوتر ولا الغضب، ولا الحزن ولا الاستغراق سيدها، لكأنها تابع لما لا يُتبع، لكأنها تصدر عما لا يُسمى ولا وصف يحيط بكنهه'.

وتتابع في جولتها الأدبية والتحليلية في 'يا عطار.. ألا تتكلّم؟!':

'هي النفوس التي تأنف أن تسكن اللحم والعظما، وتستنفر فلا تعبرُ بها ساعة تغرها، ولا تصحبها مهجة تقبل الظلما، وهي العظائم تصغر في عيونهم فيلقون عنهم الحياة خفافاً يغدون إلى مصائرهم وقد صار الموت.. كلُّ الموت حياة.

وهي الطيور في منطقها تستوضح الخطأ من الصواب وتميّز الباطل من الحق، فتقود حياتها، وتسبح في ملكوت العشق، وقد ضل من قال أحلام العصافير إذ هيهات له أن يطالها'.

وهي تحكي عين القلب من حيث الكاتب يكتب من عين قلبه، وبها يمتاح مادته، ويسلتذ نكهة الكتابة الرسالة، هذا الفم الأعمى يرى بعين القلب، وهذه الذاكرة الخرساء تظل حكراً على الكتابة وفية لها، ولهانة بها، فتغيب كل صور التفاصيل ولا يحضر إلا الحرف في ملمح صاحبه مستحضره ومبدعه.

بلغة تمتاح من معجم صوفي ظلت أفلاك الأفكار مسكونة بالمعاصرة من حيث هي امتداد وتجذر، تقول رانة :

'إذا ما كان على الفن أن يبدع كما تبدع الطبيعة بطريقة مستقلة، وذلك على اعتباره منظماً ومنتظماً، ليعطي نتاجاً حيّا تحركه آلية داخلية، شأنه شأن الرقاص يتحرك بقوة كافية داخله، فإن على الفنان أن يبحث في ذاته، أن يستخلص ويستنبط منه مبادئ تأليفه وتنظيم مادته، وأن يعثر على مرشده الأعلى فيه، أن يهتدي إلى موهبته، ولن يتأتى له ذلك إلا من مركز حدسي يفضي به إلى مركز نفسه، ليعرض عندها الأشياء التي تعبره، ويدفع ببصماته إلى الحياة، من خلال الفن، وعندها سيخلد ولن يكون مسخاً أعمى يقلد غيره، فلا يرى ولا يُرى.

وإذا ما كانت الفاعلية الشعرية غير محكومة بدالتها التواصلية التي تعني الأصالة عبر الرسالة القولية إلى العالم وإنما بدالة جمالية أو شعرية هدفها إبراز قيمة النص في حد ذاته، وذلك عبر منحه الاستقلال النسبي عن العالم الواقعي، محققة بذلك ما أطلق عليه جاكوبسن الغائي الذاتي في تحديده للنص الشعري الذي غايته في ذاته على اعتبار أن الدالة التي تحكمه وتحضّ عليه قبل كل شيء هي الدالة الشعرية ذاتها، والتي تسمح عندها للشاعر أن يختار جمهوره، وألا يترقب جمهوراً بعينه، وألا يتوق للتصفيق، بل يكتب ذاته لذاته بدءا، وقد تتقاطع هذه الذات مع آخرين في هجسها وانهمامها فيكون هذا التقاطع نقطة الالتقاء التي يتجمهر عندها رواده، إذاً ليس من الضروري أن يكتب الشاعر للجميع، وعلينا ألا نأخذ عليه غموضه وصعوبة فهمه، فإنه يبتكر بلغته الخاصة ذاته التي تتمايز عن اللغة اليومية حسب أوغست ديلهلم'.

وبهذا الأفق وبهذه اللغة تشكل قراءة 'فم أعمى وذاكرة خرساء' متعة يلتذ بها رواد الأدب والفكر والنقد.

يقول رشاد ابو داود في مقدمة الكتاب:

'في هذه المقالات، التي كنت اقرأها بكرا على الورق، تحتار وأنت تقرأ. هل هو الشعر متحرراً من ذاته وصفاته، يسير على راحته من دون أن يضبطه أحد خارج النص؟ أم انه المقال الرائق الذي قال عنه أدونيس أنه، في وقتنا الحاضر، يختزل كل الفنون من الرواية الى القصة الى القصيدة، وربما، اللوحة المقروءة أيضاً، المرسومة بالحبر فقط على ورق أبيض لكن فيها كل الألوان النابضة بالحب كما الغضب، بالنقد كما الاعجاب كما الإلهام كما اللغة المنتقاة بعناية الحذر وجمالية النقش.'