Saturday 6th of June 2026
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    11-Sep-2008

وعود هيئة الكتاب في مصر ذهبت هباء: أعمال محمد مستجاب الكاملة في طي النسيان

القدس العربي -

القاهرة :ـ 'القدس العربي ثلاثة أعوام تمر على رحيل القاص والروائي الكبير 'محمد مستجاب'، ولم يتذكره أحد، اللهم إلا من تلك الجائزة التي ذهبت إليه بعد رحيله 'تقديرية المجلس الأعلى للثقافة' التي حصل عليها قبله الروائي فؤاد قنديل، الذي لم يكن ليصمد في منافسة كتلك إلا بدعم أجهزة فاسدة، فالمسافة الحقيقية بين الكاتبين تبدو فارقة وواضحة، وهو الأمر الذي أثار حنق كثيرين يرون مستجاب أهلا لما هو أكبر من ذلك.

وكانت هيئة الكتاب قد وعدت بطباعة الأعمال الكاملة لمستجاب غير أن أعماله لا زالت متناثرة، ونفد معظمها من الأسواق، ورغم ذلك فإن أصدقاء الكاتب الراحل فقط هم الذين يتذكرونه.

فالصوت الغليظ لـ'محمد مستجاب' يأتي من بعيد، ولن يختفي بسرعة، بل ربما لن يختفي أبدا، هكذا تبدو الأصوات الغليظة العميقة، تحتاج منا غالبا تدريبات ذهنية واستماعية دقيقة وجديدة، حتى نتمكن من أقلمة التنابح والهارمونية، هكذا أجبرنا محمد مستجاب على الاستماع إليه، هذا الصوت القادم من البراري، من فضاء موحش وغني، تتراءى فيه الكائنات أسرابا، وتتناطح فيه وعول اللغة، وشرانق الحرير، وتتميز غيظا تطوحات الشقوق الأرضية حول النهر العظيم ـ نهر النيل ـ الذي يمثل المرجعية العميقة لقاص وروائي يعيش على اثر حكايات الجدات وأساطير ألف ليلة، وتوحش حواديت القصور القديمة تلك التي جلس إليها مستجاب، مدليا قدميه، ومرتلا ما تيسر له من آيات 'ديروط الشريف' حيث مسقط الرأس، التي مرغها مستجاب في تراب المحنة، وتراب الوطن، تراب المحبة والكراهية، تراب الهروب والعودة على العقبين.

لقد خلق مستجاب سلسلة روائية عن آل مستجاب، بدأت بقيام وانهيار الأهل، وانتهت بالتوصيف: وكانت المفارقة المملوءة بالفجيعة تتمثل في عبقريته التي جعلها الكاتب أبرع وأفدح أمثلة السخرية، فبعد موت مستجاب الجد، تطلب كليات الطب أعضاءه لدراسة مصادر الفرادة والعبقرية، والأهل يقومون بالفعل ببيع هذه الأعضاء حتى يتمكنوا من إقامة سرادق عزاء يليق بالراحل، الذي لم يكن في الحقيقة يجد قوت يومه، وكذلك من تناسلوا من صلبه.

هذا الجد المثير للعطف والحنان والسخرية والعنف هو ذاته الذي ركب جمله في ركب هائل وانتوى الذهاب لأداء فريضة الحج في مجموعة 'ديروط الشريف' لمستجاب وتحديدا في قصد 'هولاكو' غير أنه لأسباب يخفيها الكاتب وتعلنها السيرة غير العطرة للجد، يتوه في الشعاب بمجرد وصوله إلى مشارف الصحراء، بعد أن أصبح الطريق الذي يسير فيه الركب عشرة طرقات، وهنا لم يتمالك رفيقه نفسه 'فبكى بطريقة محرجة' غير أن الركب كان قد وجد نفسه في آخر النهار على مشارف المدينة التي خرجوا منها. لقد نالت الأسرة 'المستجابية' الكثير من دم كاتبها وأشواقه الدائمة لتأصيل الجذور، رغم أنها الجذور القاسية التي تحملت الكثير من الأذى الذي طال مستجاب وألقى به في أتون الحياة باكرا جدا.

هذه الأطر المكانية التي تبدو مغلقة جغرافيا بسلاسل الجبال على جانبي النيل صنعت أفقا عصيبا وعصبيا من التقاليد التي يجذل مستجاب لها السخرية والمقت رغبة في التغيير، فهذا الرجل الذي عانى من بساطته وتلقائيته يواجه مجتمعا مقتولا بالكذب والادعاء، مقتولا بتقاليده القاسية الأكثر محافظة مما ينبغي للمحافظة نفسها، وقد كانت الكثير من أهازيج مستجاب القصصية كاشفة عن الكثير من هذه التناقضات الموجعة، وربما كانت روايته الفاتنة 'التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ' التي نشرها في أوائل الثمانينات ونال بها جائزة الدولة التشجيعية هي الإبهام الصعب الذي وصم أوراقه ولطخها فيما بعد بتاريخ عائلي ينحدر من فصام الأرض وغبارها القاسي.

هذا الرجل الذي لم ينل قسطا من التعليم يدفعه للفخار ومد الساقين للأمام والتحدث عن بنات الجامعة ومظاهراتها، كان أحد أهم قراء ومحبي شعرنا العربي، لم يكن ثمة تراثات ماسة بالشعر إلا وقرأها، ولم يكن يقع تحت يده عمل جديد لكبير أو صغير إلا طالعه بعناية الكبار وأريحيتهم، وربما يفسر هذا الأمر لقارئ مستجاب علاقته المركبة والشائكة باللغة، فلم يكن الرجل من المؤمنين بمقولة فجة هي 'أن الرواية بنت المدينة'، وقد سبق مستجاب في قناعته عدد وفير من روائيي الرومانسية والتأسيس الأول بداية من مصطفى لطفي المنفلوطي، مرورا بمحمد عبدالحليم عبدالله، وأمين يوسف غراب، لذلك فقد تتحول السردية لدى مستجاب الى منولوج داخلي ونشيج نازف من وتر القلب، قد تتحول الشخوص الى أمشاج على هوى اللغة، وعلى وقع أجراسها. اللغة لدى مستجاب هي كينونة الخلق الفني، أو هي ماهيته، فالمؤكد أن الرجل لم يكن تلميذا مخلصا لمدرسة 'هيمنغواي' هذا العبقري المبتسر الى الموت، والمتقشف الى حد الفجيعة، كان جلباب مستجاب اللغوي والسردي هو الأكثر اتساعا، كان يكره تلامذة هيمنغواي في العالم العربي، ليس لأنهم الأقل شأنا، لكن لأنهم أمة فقيرة وصغيرة لا تستطيع أن ترى في اللغة إلا هسهساته الطفلية، إنهم أمة يخشون الخيال إلى حد الفزع، هؤلاء البؤساء المرتكنون الى الابتذال الأوروبي للأيديولوجيا والسخرية من الخطاب الانساني في عمومه، في مقابل النزعات الفردية.

لقد كان وعي مستجاب الأصيل بتراثه وخصوصية مكانه حائلا مهماً في صون أفكاره وتطورها في اتجاه ما يريد، لا في اتجاه ما تريده خطوط الموضة الروائية لدى كونديرا وغيره من صنائع الضجيج الغربي.

وربما كانت الحياة التعسة التي أشرفت بمستجاب على ميتات مبكرة سببا مباشرا في الصلابة التي آزرت خطاه إلى حد تحويلها إلى دبيب خشن وفاجع في بعض الأحيان، لقد بدأ الراحل خطواته الأولى عاملا بمشروع السد العالي وقضى فيه وقتاً استطاع عبره استنهاض موقف سياسي شديد النضوج حدد انحيازاته المبكرة، غير أن هذه التجربة التي انتهت في بداية السبعينيات وقذفت به الى القاهرة، طرحت عليه العديد من الأسئلة المهمة بل التحديات المطلقة، فقد كان يعتبر نجاحه في القاهرة معركة وجود أبدي لا بد لها أن تنجح، لذلك فقد خاض معارك، كان يراها مصيرية، ضد كثيرين من رموز الثبات والخلود إلى الراحة.

كان من مفارقات القدر أن يكون مستجاب هو مبعوث الشركة التي تقوم على تنفيذ مبنى مجمع اللغة العربية في بداية السبعينيات، وقد أتاح له ذلك التعرف عن قرب على العلامة الراحل الدكتور إبراهيم بيومي مدكور رئيس مجمع اللغة العربية، وبعد أن توترت العلاقة بين الرجلين وانتهى تنفيذ المجمع قرر الدكتور مدكور نقل مستجاب من الشركة التي يعمل بها الى المجمع فهذا هو مكانه الطبيعي كما أكد مدكور، وقد استمر مستجاب في موقعه بالمجمع حتى أنهى حياته الوظيفية فيه بعد أن أحيل للتقاعد، غير أن التفرغ الذي منحه إياه هذا التقاعد لم يسفر عن الكثير، حيث كان انشغاله بالمقالات اليومية والأسبوعية التي يكتبها في المجلات والصحف السيارة اكبر من انشغاله بالرواية، وأخلف ان حواس مستجاب لم تكن خمسة كما يظن البلهاء ممن تعلموا على الطب النبوي وتذكرة سليمان بن داود، لقد كانت حواسه ربما عشرا أو عشرين، وبين هذه الحواس المتوحشة التي تعمل ـ تقريبا ـ على مدار الساعة، التأمت حياة مستجاب والتأم قلمه، لقد كان يكتب بنفس قوة شهوته للحياة والخلود.

ظلت علاقة مستجاب الغامضة بالتركيبية اللغوية والتاريخية والأسطورية تتويجا لقناعته الكاملة بدور الخيال في بناء العوالم الروائية التي تساهم في الكثير من تخفيف قبح العالم وخلق القدرات الإضافية على تأويله، لذلك كان يبدو مخلصا للمدونة العربية ومرجعياتها أكثر من إخلاصه للتيارات الوافدة التي كانت تبدو دائما أقرب الى الروح الحداثية بحكم تبنيها التيمات الغربية في التأصيل السردي والحياد والنمطية والتفصيلية وتقديس القيم الفردية قرينة الرأسمالية، حتى لو كانت في صورتها المتوحشة.

لذلك سنجد الكثير من الغناء الذاتي والكثير من سطوة المرجعية سواء كان ذلك تاريخيا أو أسطوريا، لقد بنى مستجاب عالمه الروائي والقصصي في مناخات غرائبية لا تنفصم عراها عن الواقعية السحرية التي بدأها قبل أكثر من أربعين عاما من الآن، فسوف تبدو أجواء الصحراء المصرية على حواف المدنية عائدة إلى عروبيتها القاسية وإلى مجهوليتها الملغزة المثيرة للسؤال، وكذلك تبدو غرائبية وفتنة راقصات البيوت 'العالية'، بيوت الأسر الكبرى وكبار الملاك، وكذلك حكايات السمر الليلي حول حفلات الجنس الجماعي التي كانت تمثل نوعا من الاحتجاج المبهم على التقاليد الاكثر قسوة والأكثر سرية.

لقد ناضل مستجاب بضراوة احتجاجا على الفصام المجتمعي، الجنوبي تحديدا، الذي يعلي من شأن الخطاب المؤسسي في صيغته الدينية الملتبسة بالأطر المجتمعية، كان ضد القمع بشتى صوره حتى لو كانت مرجعيته إجماعية تنيخ الإطار الإنساني وترهبه بسيف سلطانها، هذا المدى الأكثر تعقيدا بدا في حوادث الثأر التي تبدو هزلية الى حد بعيد، حتى صورة الدين لم تخل من هذه السخرية المرة التي طالت كل العوالم المستجابية، لذلك كانت انحيازاته تتجه دائما الى التأسيس لروحية من نوع آخر، هذه الروحية التي تضمنها الغناء الشعبي وبهجة النظر الى المستقبل عبر أقانيم أكثر رقة وعذوبة من توابيت التعاليم والأوامر والنواهي التي كان يحاربها مستجاب على مدار أعماله.

لم تكن حياة محمد مستجاب منفصلة بحال عن إبداعاته المختلفة فقد كانت تعليقاته اللاذعة وسخريته الدائمة الى حد الخشونة أحيانا جزءا أساسيا من إبداعه، وقد عرفنا مستجاباً في الحياة الثقافية باعتباره امتدادا لمدرسة الظرفاء المصريين بداية من إمام العبد، وعبدالحميد الديب وكامل الشناوي مرورا بمحمد عودة ويوسف الشريف وعبدالرحمن الخميسي وآخرين، ولم يكن مستجاب يتورع عن فعل أي شيء في سبيل استنطاق اللحظات الكئيبة بالضحك والسخرية.

فقد سمعت منه ذات مرة انه كان يشارك في إحدى ندوات الأقاليم وأظن ذلك كان في مدينة طنطا شمال القاهرة، وقد استضاف احد المشاركين كل الضيوف بعد الندوة في منزله، وبعد العشاء والشاي وأحاديث السمر، إذ بالرجل يمد يده لمستجاب بأحد دواوينه، وعندما فتح مستجاب الديوان وجد داخله مظروفا يحتوي مبلغا من المال، فاستوعب على الفور ما يقصد إليه صاحب الديوان لكنه لم يبد انفعالا، لكنه مال على أذن الرجل وأسر إليه ببعض الكلمات، فما كان منه إلا أن أخذ الديوان بما فيه وقام بإهدائه للناقد سيد البحراوي وكان أحد الحضور، بينما مستجاب يعلم بعصبية سيد البحراوي، وكان قد انتوى استفزازه، وفي نفس الوقت فضح صاحب الديوان بفعلته الغبية وما إن أمسك البحراوي بالديوان وقلبه يمنة ويسرة ووصلت يده الى المظروف الذي يحتوي مبلغا من المال حتى ثار ثورة عارمة سب خلالها الرجل وكال له كل اللعنات الممكنة وغير الممكنة وفضح المخطط كله على رؤوس الأشهاد، فما كان من الرجل إلا أن طرد الجميع فانتقلت الجلسة دونه الى المقهى.

وقد كان مستجاب يفضل الجلباب الصعيدي دائما على أي شيء آخر وكان نادرا ما يظهر بغيره في الاماكن العامة وكان يحضر المؤتمرات الكبرى به، ولا يرى غضاضة في ذلك، بل كان كثيرا ما يهيل تراب السخرية على كل من يتجرأ على انتقاد جلبابه حتى لو كان من يلتقيه هو وزير الثقافة أو أحد المحافظين.

كان جلباب مستجاب إلى جانب لهجته الجنوبية الغارقة في صعيديتها ملمحا من ملامح مقاومة مستجاب لمدينة قهرته وأوسعته شتما وركلا بعد أن ذاق فيها الأمرين في ترحاله بين العديد من المهن البائسة، التي كان أقلها بؤسا عمله كـ'ترزي' مع أحد أقاربه.

إن مقاومة مستجاب للحس المدني ظلت سلاحا لا يفارق قومته ومرقده، وكأن استمرار نقائه الجنوبي رهن باستمرار المقاومة، التي تعني له أن الحياة مستمرة لا زالت وأن الخطى التي انزلقت قديما بدون زلافات ليس لها أن تعيد إنتاج هزيمتها. لم يكن التراث النثري الذي خلفه مستجاب أقل أهمية من تراثه القصصي والروائي، بل هو امتداد وتماه لطريق بدأت وانتهت بالإبداع وإن اختلف شكل تجليه.

كان لنجاح أعمدة مستجاب الصحافية صدى كبيرا فقد تنقلت أعمدته الصحافية بين 'أخبار الأدب' وجريدة 'الوفد' و'الدستور' و'الاسبوع' ومجلة 'العربي' الكويتية وبعض الصحف الخليجية، وقد جمع مستجاب معظم هذه الأعمدة في كتابه 'حرق الدم'، وكذلك كتابه 'زهر الفول' إلا أن كثيرا من مقالاته التالية لهذين الكتابين لا زالت في الشتات.

ولا شك أن ثمة أهمية بالغة تنعقد على قيام الهيئة المصرية العامة للكتاب بجمع هذه الأعمال في عدد من المجلدات لا سيما وأن عددا من أعمال مستجاب تم طبعها قبل أكثر من ربع قرن ولم يتم اعادة طبعها، وسوف يكون ذلك ـ حال حدوثه ـ أحد الاشياء الرائعة التي سوف يقدمها الدكتور ناصر الأنصاري رئيس الهيئة الجديد لقراء مستجاب ومحبيه.

يتبقى القول ان مستجاب رحل عن الدنيا بجروح كثيرة، وليس على أصدقائه وأعدائه لوم في أن ينتخبوه زعيما للشر أو السخرية أو الكتابة الفارقة المؤثرة، ولكن لنا أن نلوم الرجل على قسوة لم يصنعها أو فقر لم يتآلف مع رائحته، إن مستجاب كان يرغب في العيش بحواسه التي لا ترتاح أبدا، بشهواته العارمة والفائضة، بموهبته الخارقة والحارقة، وما أنجزه الراحل يكفي لصناعة كاتب كبير فلق رؤوسنا وشجها إلى نصفين، بالمتعة حينا وبالعنف أحيانا أخرى، لكنه بقي على حاله كما يقول في قصته 'القربان':

'لا حول ولا قوة إلا بالله، فها هو لساننا العريق يتقوقع ويتقلص ويتخدر نائما على لفافات الكلام المتهتك المتساقط في قاع الحلق، وهاهي المواويل الخضراء تتيبس والتعليقات المرحة تتختثر والضحكة ذات العمق والاتساع تتهدل، ولا يبقى في الجو سوى الكآبة والفحيح'.