Tuesday 29th of September 2020
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    21-Mar-2006

عن الأردن ومبدعيه لكاتب العراقي عبد الستار ناصر

الانباط -

عبد الستار ناصر، مؤلف هذا الكتاب، روائي وقاص وناقد عراقي. أصدر عدة مجموعات قصصية من أهمها: «لا تسرق الوردة رجاء»، «الكواش»، «في قطار السمك»، «سيدنا الخليفة»، «الحكواتي»... وغيرها، أما في مجال الرواية فقد أصدر عددا من الروايات، من أهمها: «نصف الأحزان»، «أبو الريش»، «صندوق الأخطاء»، «الطاطران». وكتب كذلك في مجال النقد الأدبي بعض الدراسات منها، «باب القشلة»، «شارع المتنبي»، بينما تناول جزءا من سيرته الذاتية ـ الأدبية في كتابه «حياتي في قصصي»، فضلا عن عشرات المقالات والأبحاث المنشورة في بعض الصحف والدوريات العربية. كتابه الجديد «عن الأردن ومبدعيه»، الصادر، أخيرا، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر(بيروت ـ 2005)، مع دعم من وزارة الثقافة الأردنية، يقف في منتصف المسافة بين النقد الأدبي وبين المذكرات اليومية والانطباعات الوجدانية عن السنوات الست التي قضاها ناصر في الأردن، ساعيا عبر هذا الدمج بين الذاتي والموضوعي إلى تسليط الضوء على تجارب بعض المبدعين الأردنيين، كما يشير العنوان، وكذلك الحديث عن عمان وبعض المدن الأردنية الأخرى، وهذا أيضا تأكيد للعنوان، فهو لم يعنون كتابه مثلا بـ «مبدعو الأردن»، بل عنونه بـ «عن الأردن ومبدعيه» ما يعني انه سيتحدث عن الأردن وعن مبدعيه معا.بنبرة وجدانية هادئة ودافئة يقود عبد الستار ناصر قراءه إلى صفحات كتابه إذ يمهد له بالحديث عن الأردن ومكانته في قلبه، يتحدث عن أجواء العاصمة الأردنية عمان، ومعالمها السياحية وأسواقها وحاراتها وضجيج الباعة في أزقتها، وطيبة أهلها، ليتذكر المرة الأولى التي زار فيها عمان مع والده عام 1964م، ثم في المرة الثانية مطلع التسعينات، ليعود العام 1999م ويستقر فيها حتى اللحظة التي دون فيها هذا الكتاب. فيقول:

«الحق أقول لكم، إنني أحببت عمان، بشرا ومدينة، فهي تملك كل ما تملكه بغداد من شجر وعواصف وأغنيات وشوارع خلفية ورماد وشاي وحضارة وعنفوان وشهرزاد وجاه وأسواق وخواطر ورغيف خبز وجرأة وضجيج، ولا ينقصها غير دجلة والفرات»، ويسهب في الكلام عن الدهشة التي انتابته أمام ما رآه من غرائب في مدينة البتراء، ووادي رم، والجبال الشامخة، والآثار الخالدة الشاهدة على حضارة غابرة. فيقول «ينبغي علينا ان نصدق المستحيل في مكان كهذا(يقصد البتراء)، وربما سنقترب من المعجزة التي جاء بها المكان المتوحد مع السماء والرب والتأريخ بعد هذا التمهيد الجغرافي ـ السياحي، إذا جاز الوصف، ينتقل ناصر للحديث عن بعض الكتاب الأردنيين لاسيما في مجال القصة القصيرة. الكاتب الأول الذي يختاره الباحث هو الراحل مؤنس الرزاز فيتحدث عنه بنبرة وجدانية مخلصة مستعيدا تلك الأمسية التي نظمها له الرزاز حينما كان رئيسا لرابطة الكتاب الأردنيين، ويخاطبه بحساسية أدبية أقرب إلى مرثية صديق غاب في سن الخمسين وهو لم يمل من الحياة بعد. ».

ثم ينتقل ليتناول المجموعة القصصية «حقول الظلال» للقاص الأردني المعروف الياس فركوح فيكتب عن تجربة هذا القاص قائلا: «إن إلياس يشتغل بين طواحين الكلمات وفناراتها ونواعيرها، والمفردة مقدسة وثمينة بين يديه، لكنه يشتبك حتى مع نفسه إذا ما تعطلت لغة الكلام في قصة ما...، والمهم عنده هو جماليات الشكل..، أما المضمون فيمكن الكشف عنه أو تأويله كما انه يرفض ان يكون المعنى أو المغزى طوع اليدين فورا».

ثم يقف الباحث عند المجموعة القصصية «مطر آخر الليل» لخليل السواحري الذي يصفه بـ «صانع ماهر في إبداع قصة قصيرة ستحتفظ بأهميتها وأثرها إلى أمد ليس بالقريب، وهو اسم عربي عرفته وقرأت له منذ ثلاثة عقود واحترم تجربته وخبرته في هذا الحقل الصعب»، مضيفا «يبدو ان (مسخ) كافكا، و(غريب) ألبير كامو وقصص إدغار آلن بو كان لها نصيب كبير في تجربة السواحري» المشغول في كتابته، بصورة أساسية، بالهم الفلسطيني. ويبدي الباحث إعجابه بالمجموعة القصصية «أشجار دائمة العري» ليوسف ضمرة الذي يجمع قصصه وأفكاره في مخزن شاسع وعميق بحسب تعبير الباحث الذي يضيف «وهو مخزن من نوع آخر لا جدران له، تشعر أحيانا ان القصة التي يكتبها ضمرة تأتي من ذاكرة إنسان يعيش في عالم غير الوطن العربي، وتظن أحيانا أخرى أن بعض القصص كما لو أنها مترجمة عن لغة غيرها اللغة العربية، وكل هذا يؤكد على تنوع القصص واختلافها عن السائد المألوف الذي نراه لدى غيره من كتاب القصة».

وفي حين يرى ناصر ان في بعض قصص الكاتب المبدع سليمان الأزرعي بعض طرافة برناردشو، وبعض إصرار مارك توين على كتمان سر مهنته ذلك ان قصصه تأتي على مستويات مختلفة، والمسافة شاسعة بين قصة وأخرى حتى كأنك تقرأ لكاتبين وليس لكاتب واحد، فإنه يدعو الكاتب الأردني المتميز محمود الريماوي ـ بعد أن قرأ له سبع مجموعات قصصية ضمها كتاب واحد ـ إلى كتابة الرواية بدلا من القصة، وفي تبريره لهذه الدعوة يرى الباحث بان «القصة القصيرة هي فن الومضة أو هي عملية وخز خاطف، بينما تحتاج الرواية إلى الشرح وامتداد الزمان الذي تدور فيه أحداثها، وهو ما يناسب لغة الريماوي وأسلوبه في الكتابة».

ويقول ناصر عن الكاتب مفلح العدوان بأنه يتمتع بخصوصية تتمثل في ان مضامين قصصه، كما في مجموعته «موت لا أعرف شعائره»، هي من نوع غير مألوف في القصة القصيرة العربية، «فهو لا يكتب عن الأحياء من البشر وهم في المقهى أو في محطة القطار أو في بيت على جبل مائل، لا يكتب عن النساء ولا الرجال إلا مرة واحدة أو مرتين في هذه المجموعة، بل تراه يكتب عن أشياء نعرفها، بل نلمسها ونراها ونحيا معها، الطين، الحاسوب، التماثيل، حتى الطبل المجوف يمكنه أن يكون بطلا في قصته، وكذلك المزمار والموتى والقبور، وبهذا يحقق مفلح العدوان حالة من التميز والفرادة».

وفق هذا المزاج الذي ينطوي على إعجاب واضح بعدد من الكتاب الأردنيين يمضي عبد الستار ناصر في الكتابة، فنراه يتحدث عن رواية «ليلة الريش» للروائي جمال ناجي، ويلقي الضوء على الكتاب النقدي «جدل الإبداع والثقافة» لعزمي خميس، ويستعيد بلمحة خاطفة الجهد الفكري الذي بذله المفكر والمؤرخ الأردني خالد الكركي في كتابه النقدي حول طه حسين والذي حمل عنوان «طه حسين روائيا».ويتحدث عن القاص خليل قنديل عبر مجموعته القصصية «عين تموز»،

كذلك يكتب عن المجموعة القصصية «وليمة حرير وعش عصافير» للقاص تيسير نظمي الذي يقول عنه:(كل أديب في العالم يتمني لو أنه كتب عملاً سبقه إليه كاتب آخر، فهذا أناتول فرانس كان يرجو لو أنه ( هو) من كتب رواية ( الدون كيخوته) لثربانتس، و جان بول سارتر كان يتمني لو أنه كتب إلياذة هوميروس، و حنا مينه كان يعشق ( موبي ديك) و تمني أن يكون مؤلفها، و نجيب محفوظ في أول حوار معه كان يتمني لو أنه ( هو) الذي كتب ألف ليلة و ليلة، و هكذا مع أسماء و قامات أدبية معروفة، تراها تحلم لو أنها هي التي أبدعت نصوص قامات عملاقة سبقتها إلي ذاك المنجز العظيم. و يأخذني الظن إلي أن تيسير نظمي كان يتمني بدوره لو أنه ( إدغار ألن بو) أو ( فرانز كافكا) ، عالم تيسير نظمي يغرق في البؤس و اليأس و اللعنات من الصعب أن تحسم أمرك بين أشواكه و مساميره و صخوره، إذ لا وقت للتأمل أو ركوب طوق النجاة في زحمة القهر الذي يطارد أبطاله في كل جزء من المكان الذي هو فيه.

هناك مرارة علي طول الخط ، لا مكان للسعادة في عالم تيسير نظمي ، العالم مزحوم بالأخطاء و ليس من ثغرة نحو النور، يأس مطبق و خوف عارم مثل أمواج غاضبة تلتهم كل شيء في طريقها، و الإنسان في قصصه مأخوذ و مجذوب و غير مرغوب فيه، و البطل في هذه القصص دون أية بطولة ، ممسوخ ، مرعوب ، مطارد ، يكاد من ثقل همومه أن يسقط أرضاً حتي تكاد( أنت القارئ) أن تسأل نفسك: من أين يأتي هذا الرعب الذي يمسك برقاب شخوصه؟ أين تحيا تلك الكائنات و علي أي أمل تعيش؟ يقول خليل السواحري: " عوالم هذه القصص تشبه إلي حد كبير عوالم كافكا ، حيث يتحول المعقول إلي لا معقول و تغدو اللحظة النفسية عبئاً كبيراً علي من يعيها."..

ويقول عنه وليد أبو بكر: " إنه أحد الكتاب المهمين علي المستوي العربي الذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها و ذلك لأسباب سياسية)

ويكتب عبدالستار ناصرعن تجربة موسى حوامدة في قصصه وحكاياه، وعن المجموعة القصصية «المكان لا يتسع لحماقة» للكاتب طلعت شناعة، وعن المجموعة القصصية «أشجار شعثاء باسقة» لياسر قبيلات.

الكتاب بهذا المعنى يقدم لمحة بانورامية عن بعض الأدباء في الأردن، وخصوصا كتاب القصة القصيرة، ذلك ان الباحث عبد الستار ناصر يعشق هذا الفن أكثر من عشقه للأجناس الأدبية الأخرى، فيتناول في مؤلفه جانبا من تجربة هؤلاء، دون أن يزعم ان كتابه يقدم صورة وافية عن القصة القصيرة في الأردن، بل هو يشير بصورة واضحة في مقدمة كتابه إلى أن الكتاب لا يزعم الإحاطة بمجمل التجارب الإبداعية الأردنية المعاصرة بل هو جهد فردي بذله عبد الستار ناصر وفاء منه لبلد عشقه، ولكتاب قضى معهم أوقاتا جميلة، ولحظات عصية على النسيان. إذ يقول: «هذا الكتاب الصغير الذي يجمع كوكبة من المبدعين الأردنيين بين غلافيه، ليس سوى موجة أولى من بحر سوف يتسع ويتسع دون ريب لبقية المبدعين».

ويبدو أن عبد الستار ناصر في هذا الكتاب لا يستطيع التحرر من تعاطفه تجاه الكتاب الذين اختارهم، فهو قاص يعلم جيدا خبايا فن القصة القصيرة، لذلك يختار قصاصين استطاعوا أن يؤثروا في ذائقته الأدبية، وربما استطاعوا التأثير على أسلوبه أيضا. فالمجموعات التي يختارها الباحث هي تلك التي حركت في داخله شيئا، ليجد فيها ما هو جديد ومتميز، ومن هنا فان القراءات التي يقدمها الباحث لا تنحو باتجاه النقد الأكاديمي المتخصص والصارم بقدر ما هي انطباعات أدبية مرتبطة إلى حد بعيد بصداقة الباحث مع هذا القاص أو ذاك، ولا يعني هذا الكلام ان الباحث يقدم نوعا من المجاملة والكلام الإنشائي المنمق، بل على العكس ان هذه الانطباعات البعيدة عن المصطلحات النقدية المعقدة، وعن الأسلوب المنهجي الصارم غالبا ما تكون اكثر صدقا، وعفوية .

يستخدم الباحث لغة رشيقة سلسة، ويتبين من خلال مواضيع الكتاب الخبرة الواسعة التي يتمتع بها عبد الستار ناصر فثمة إحالات مستمرة إلى عوالم روائيين وكتاب قصة قصيرة عالميين، وغالبا ما يعقد مقارنة بين قصص الكتاب الأردنيين وقصص أولئك المبدعين الكبار، وقد لفت نظره القاص تيسير نظمي الذي يستشهد ناصر بأقوال وشهادات الكتاب فيه حيث يقول خليل السواحري عن قصصه: "

إنها تضعك في التفاصيل المرّوعة التي نمر بها جميعاً دون أن نلتقطها أو نلتفت إليها، و تلك هي مهمة القاص المبدع الذي تتحول اللحظة علي يديه إلي سرد قصصي مدهش، مفعم بالغرابة في سياق لغوي طازج" ويقر السواحري :" الحقبقة أنني كنت أجهل هذه الطاقة القصصية ذات المستوى الرفيع عند تيسير نظمي فقد عرفناه منذ أوائل الثمانينيات كاتبا سياسيا وناقدا أكثر منه أديبا مبدعا...." كما ان عبد الستار ناصر يفتتح دائما حديثه بحكاية قصيرة أو حادثة أو تعليق أو فكرة مستوحاة من الأدب العالمي، وهو أسلوب يجذب القارئ للمضي مع عبد الستار ناصر في مغامرته الأدبية هذه التي تنطوي على المتعة والمعرفة معا.