Sunday 18th of November 2018
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    04-Jun-2007

محسن اطيمش.. الشاعر الناقد

القدس العربي -

وصل بغداد سنة 1963م صاعدا من مدينة الناصرية ملتحقا بمعهد اعداد المعلمين بالاعظمية، وكانت بغداد آنذاك بعد الانقلاب الاول للبعثيين تمر بأيام صعبة انزوي فيها المثقفون الحقيقيون عن ساحة الثقافة، فركب الموجة انصاف المثقفين، او ادعياء الثقافة، فتعطل الابداع، او غاب زمنا ليس بالقصير، وروجت مجلات ادبية لبنانية كانت تدخل العراق للأدب الوجودي، او العدمي، فشاعت صرعات السأمية، والسوداوية، والعدمية باسم سيزيف المسكين، واسطورته القهرية لدي الوسط الثــقافي الذي ظن ان هذه الموجة هي التي تشكل صورة الادب الجديد في العراق.

في هذه الحقبة الصاخبة تعرفته في معهد المعلمين، وكان يصغرني بأربع سنوات، فهو من مواليد 1945م، ولما كان من عائلة فقيرة مثلي، فقد آثر المعهد علي الكلية وصولا سريعا الي الوظيفة التي تلبي لقمة العيش الكريم.

عشنا معا سنتين في القسمين الداخلي والدراسي، حتي تخرجنا في معهد المعلمين سنة 1965م، ثم قررنا بعد التخرج مباشرة دخول الجامعة ومزاولة مهنة التدريس معا دون اشعار وزارة التربية التي كانت تمنع الجمع آنذاك بين التعليم والتعلّم، فتقدمنا الي قسم اللغة العربية في آداب المستنصرية طالبين مستجدين لم نشعر زملاءنا من المعلمين بذلك طوال ما يقرب من سنتين، وهي المدة المطلوبة في التخفي، فكان لنا ما كان من مواقف، وهموم، ومعاناة، فأحببنا الدراسة، وتفوقنا فيها، حتي التقينا بعد حين ليس بالقصير في القاهرة، ليواصل هو الدكتوراه، واعود انا الي العراق بالماجستير.

لكن هذه الافتراقات كانت تعلن عن هزيمتها، فنعود الي لقاء جديد، ولعل لقاءنا في جامعة صنعاء، وفي مركز اللغات (كلية اللغات حاليا) تحديدا كان يشي ببدء الافتراق النهائي، ويبدو ان الزمن رأي في طول هذه الصحبة ما يكفي، فقرر قطعها يوم الجمعة 15/4/1994م حين غادر اليمن الي بغداد محمولاً علي نقالة اسعاف، ليصلني نبأ رحيله الابدي الي عالم الخلد يوم الاثنين 6/6/1994م.

انه صديقي الشاعر الناقد محسن اطيمش الذي كتب اولي قصائده الجديدة سنة 1963م في القسم الداخلي لمعهد المعلمين بالاعظمية، وكانت بعنوان انديمون والقمر علي عادة ما كان سائدا آنذاك من توظيف الحكايات، او الشعائر الاسطورية.

كان موهوبا في الشعر، وفي العروض، ثم اصبح ناقدا مميزا بعد ذلك، نشر الكثير من شعره في الدوريات، لكنه لم يكن راضيا عن كل ما نشر، فلم يجمعه في ديوان يقدمه للطبع، انما آثر ان يبقيه مخطوطا يذكره بالبدايات، لكن اعتقال الشاعر محمد عفيفي مطر في مصر قد هزه بعنف، لان عفيفي كان صديقا أثيرا لديه، فضلا عن سماعه لرواية تقول:

انهم جدعوا انف عفيفي تعذيبا، وتركوا فيه عيبا واضحا، فما كان منه الا ان اعتكف اشهرا ليعلن بعدها عن اكتمال مجموعة شعرية اسماها بـ محمد عفيفي مطر الاناشيد وكان ذلك تحديدا في 10 تموز (يوليو) سنة 1991م، فقدمتها لدار الشؤون الثقافية فبوشر في طبعها في شهر شباط (فبراير) عام 1992م، وعندما ظهرت للنور كان مزهوا بها، وحين ناقشته في عنوانها (اثناء تصحيحه للاصول) وما يحتمله من لبس قال لي: سأجعله محمد عفيفي مطر او الاناشيد لكن الدار ابقت علي العنوان الاول، وزادت في لبسه لبسا آخر عندما وضعت علي الغلاف الاول صورا لمحمد عفيفي مطر، فظن بعض القراء انها صور محسن، ومما جاء فيه:

لكن محمد لن يأتي.

فلقد انهكه الترحال، واعيته كهولته،

فهو مع الغيطان صباحا، وله عون حين

يريد الهضبة، اما ليلته فتكون مع

الينبوع الاخضر، او قد يأخذه ماء البحر

السابع، ثم يعود.

هو ذا ديدنه كل نهار

كان من الرعيل الاول الذي اقتحم قسم اللغة العربية في جامعة بغداد بالموضوعات الجديدة في الدراسات العليا/الماجستير، اذ كانت رسالته عن الاداء في الشعر المسرحي الحديث وقد اشترك في مناقشتها الناقد الدكتور عبد المحسن طه بدر، الذي جيء به الي بغداد من القاهرة املا في رفض الرسالة، فكان المشيد بها، والمنوّه بقدرات كاتبها، مما حدا بمحسن اطيمش حين وصل القاهرة للدراسة ان يسجل رسالته للدكتوراه تحت اشرافه، وهي عينها التي طبعت في بغداد سنة 1982م بعنوان دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر التي قال عنها الناقد المرحوم عبد الجبار عباس:

.. وفق الدكتور (محسن اطيمش) الي اضاءة ابرز السمات الفنية للشعر العراقي الجديد في اطار من الاحاطة والتذوق الصافي، والتقييم الحساس، حتي رأينا شخصية الناقد في البحث تكاد تطغي علي عمل الاكاديمي، او تغنيه بالنظرة المتأملة.. وكانت (الثوابت) النقدية في الكتاب دليلا مقنعا في التحليل، والتقييم.. وبفضل حسن الاحتكام اليها والاهتداء بها، ضم (دير الملاك) مزايا البحث الاكاديمي الي امتياز الدراسة النقدية، فكان مجمل جهد المؤلف فيه اضافة طيبة الي جهود الباحثين النقاد في كتابة (التاريخ النقدي) لأدبنا الحديث .

اما رسالته للماجستير فقد جعل عنوانها عند الطبع الشاعر العربي الحديث مسرحيا .

كنا في فصل دراسي واحد في الجامعة، وكنا نهتم بدراسة العروض اهتماما خاصا، لكنه بدأ بتعلم العزف علي آلة العود، ثم حاول ان يتعلم كتابة السلم الموسيقي للألحان، وكنت احسب ذلك هواية جديدة لتعلم الموسيقي، حتي جاء يوم عرض فيه علي استاذ مادة العروض (الدكتور علي عباس علوان) رأيه في بحر الطويل من انه موسيقيا اطول في وحداته من بقية البحور، وشرع يكتب له النوطة كتابة موسيقية مبتدئا بمفتاح صولفج فأدركت حينذاك سبب تعلقه بتعلم النوطة الموسيقية.

ومما يجدر ذكره انه كان يدافع عن حركة التجديد في الشعر الحديث دفاعا مستميتا، ويسفه المحاولات التي تعني باسلوب شعر الشطرين آنذاك الذي يسميه بـ الاسلوب التقليدي لكنه مع ذلك كان يحفظ الكثير من القصائد التراثية، لا سيما ما كان منها في العصر العباسي، وحين شرع استاذنا المرحوم محسن غياض بتدريسنا لشعر المتنبي، وتوقف عند ميميته المشهورة في عتاب سيف الدولة ركز علي قوله: سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

بأنني خير من تسعي به قدم

فانتهزها اطيمش فرصة، وراح في الليلة ذاتها محاولا تقليد معني بيت المتنبي واسقاطه عليه في قصيدة لم تزد علي ابيات معدودة قرأها لي في اليوم التالي كان ما بقي منها في الذاكرة قوله:

غفت بعيني من طول السري سفن

واومضت شجنا يحدو به شجن

اكنت تعلم ان الارض ما خلقت

الا ليمشي عليها محسن الحسن؟

فضحكنا كثيرا (بالمناسبة اسمه الكامل محسن محمد الحسن اطيمش) لكنني حين ذكرته بها ممازحا وهو علي فراش المرض في مستشفي الثورة باليمن بعد ثلاثين عاما تقريبا طلب مني قراءة ما احفظه منها، لانه نسيها، فقرأت البيتين، فعلق قائلا: تقليد فج فضحكنا مرة اخري، وكانت الاخيرة.

في احدي حلقات المربد النقدية التي اقيمت في البصرة سنة 1986م، فاجأ الشعراء والمنظمين، والصحافيين بآرائه الصريحة الجريئة عما سمعه من شعر حين صعد المنصة ناقدا، اذ هاجم جميع القصائد، وعد رؤاها رؤي متخلفة ، ورفض الانسياق وراء اعلامها الزائف، ووجد فيها نكوصا وتعثرا لا تطورا في حركة التحديث، ودعا الشعراء ضمنيا الي اعادة النظر ببعض تجاربهم الفجة، فكانت مشاركته تلك اول مشاركة نقدية في المربد وآخرها، فلم توجه له الدعوة لجلسة نقدية بعدها.

كان قد اصيب بالتهاب الكبد الفايروسي في بغداد، فأحدث في معدته استسقاء، لكنه تغلب عليه، وحين شفي منه غادر بغداد الي اليمن ليعمل في جامعة صنعاء استاذا للأدب العربي، وظل فيها حتي 15/4/1994، حين غادرها محمولا علي نقالة اسعاف، بعد ان عاوده المرض القديم محدثا اصابة البنكرياس بمرض خبيث، فدخل مستشفي الثورة في 2/4/1994، وكان محفوفا برعاية الجميع، لا سيما رئيس جامعة صنعاء الدكتور عبد العزيز المقالح الذي زاره في المستشفي وقدم له كل ما ينبغي تقديمه في مثل هذه المواقف، لكن حالته تردت فجأة، فقرر الاطباء اخضاعه لفحوصات دقيقة، انتهوا بعدها الي رأي مفاده ان ارساله لأهله بالعراق حيا ليموت بين احضانهم افضل من ارسال الجسد المنطفئ اليهم متشحا بالبياض فكان في توديعه معي جمع من الاصدقاء هم:

د. طارق نجم عبد الله، ود. نبهان ياسين، ود. علي جعفر العلاق، وطبيبه المعالج د. محمد عمارة، وسهيل نجم، ومجيد الماشطة، ورافقه الي الاردن الطبيب مؤيد صديقه وابن مدينته، وكانت جامعة صنعاء وفية معه قبل رحيله، وبعده، وقد رثاه الدكتور عبد العزيز المقالح قبل غيره، وقرر ألا يزور مستشفي الثورة تلك السنة، كما كتب عنه المسرحي العراقي كريم جثير نصا مسرحيا وسمه بـ مرايا محسن اطيمش ـ مرثاة ـ ) وضمه الي كتابه الاقنعة ومسرحيات اخري المطبوع في سورية سنة 2001م، وهكذا افترقنا بعد اكثر من ثلاثين سنة من الصحبة.

لقطة خارج المتن: عندما كان يعاوده الصحو بين الغفوة والغفوة اثناء رقدته في المستشفي كان يتملي مجموعة محمد مظلوم الشعرية .. المتأخر عابرا بين مرايا الشبهات .

* ناقد وباحث من العراق. والمقالة فصل من كتاب يعد للنشر قريبا.