Saturday 6th of June 2026
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    26-Apr-2011

فيصل دراج: الكفاح الوطني ضد (إسرائيل) لا يمثل مشروعاً دينياً

العرب اليوم - في كتابه (الهوية, الثقافة, السياسة) الصادر عن أزمنة

* الهوية الفلسطينية مشروع مفتوح يستمد عناصره من العمل الراهن وماضي التجربة وقوة الأمل

العرب اليوم- ....

يمثل كتاب الهوية, الثقافة, السياسة قراءة في الحالة الفلسطينية صدمة عند القارىء, إذ يعري كاتبه الدكتور فيصل درّاج, المُنزه والمقدس في الحالة الفلسطينية على اعتبار أن الحديث بصراحة حول فلسطين أمر غير معقول, ويمضي بعيدا في أدق التفاصيل, موغلاً في تحليلها وبطرح الأسئلة التي كانت تمثل لدى الفلسطيني التابو الرابع بعد الدين والجنس والسياسة.

وليس غريبا على درّاج وهو الأكاديمي والمثقف الفلسطيني المعروف بتشريحه علمياً لمنطق الأشياء, غير آبه بما ستخلفه العاصفة من بعده وربما تساؤله فلسطيني أم فلسطينيون? في مقدمة كتابه, الصادر عن دار أزمنة, يعدّ الخطوة الأولى في سلم أولويات التعريفات التي ساقها عبر كتابه الواقع في 141 صفحة من القطع المتوسط.

يقول دراج لم يتح للفلسطينيين قبل احتلال وطنهم أن يكتبوا تاريخهم الذاتي, ولم يتح لهم بعد الاحتلال أن ينتسبوا إلى سياسة ثقافية واحدة فلم يعرفوا قبل الإحتلال سلطة مستقلة تضع منهجاً تعليمياً وطنياً يحدد معنى فلسطين.

ويثير سؤال الفلسطيني الموحد المفترض موضوع العلاقة بين السياسة الوطنية والمعرفة, فلا سياسة فاعلة في مجال محدد إلا بمعرفة مركباته ومعوقاته, ولا إمكانية لوصول إلى هدف إلا بامتلاك الوسائل المؤدية إليه, وإذا كان السؤال في شطره الأول يحيل تجمعات الفلسطينيين المختلفة, التفتت اليه السياسات الفلسطينية حينا, وتناستها في أحيان أخرى فإن السؤال في شطره الثاني بحسب دراج يضع الفلسطينيين أمام الحقيقة الصهيونية, في مركباتها المتعددة التي تنطوي على سياسة تهويد فلسطين وعلى الحداثة الإجتماعية وما بعد الحداثة وعلى العروة الوثقى بين دولة إسرائيل والولايات المتحدة.

وحول الإخفاق العربي في دعم القضية الفلسطينية يؤشر الدراج إلى أنه لم يكن إلا إخفاقا للمشروع القومي العربي من ناحية, وإخفاق النظم العربية في بناء مجتمع مدني - قومي من ناحية ثانية.

فلم تستطع الجهود القومية أن تنتقل بـ العروبة إلى مقام الإيديولوجيا القومية التاريخية على اعتبار أن العروبة هي مقومات أولية للقومية تتضمن اللغة والتاريخ الثقافي والأرض المشتركة على خلاف القومية التي لا تستقيم إلاّ بجملة من القيم الحداثية المتكاملة مثل الديمقراطية والمجتمع المدني ودولة المواطنة التي تستطيع نظرياً وعلمياً أن تفضي إلى تحقيق الوحدة العربية.

دراج يوضح في كتابه أن الكفاح الوطني ضد دولة إسرائيل لا يمثل مشروعاً دينياً في مقابل مشروع ديني آخر, فهو مشروع تحرري يدور حول الوطن والأرض والاستقلال, ومهما تكن مساحة العامل الديني في هذا الصراع, فهو صراع سياسي بامتياز يرتبط إحدهما بالمصالح الصهيونية والاستعمارية ويرتبط ثانيهما بمصالح الشعب الفلسطيني الوطنية.

ولأن الصراع سياسي ثقافي, فإن الأدوات المستعملة هي سياسية وثقافية أيضا, لأن شعب الله المختار استعمل ويستعمل في صراعه وسائل لا علاقة لها بالدين على الإطلاق كما يوضح درّاج.

كما أن غاية الكفاح الفلسطيني لا ترمي إلى إنتصار طرف ديني على الآخر بل تهدف إلى الوصول إلى صيغة سياسية عادلة تعيد إلى الفلسطينيين حقوقهم المغتصبة.

ويوضح دراج أن الهوية الفلسطينية مشروع مفتوح يستمد عناصره من العمل الراهن وماضي التجربة وقوة الأمل ويستمد عناصره من عدوه ومن تجارب الشعوب المختلفة ومن تقدم الشعب الفلسطيني وتطوره وقدراته على ابتكار أشكال جديدة من المقاومة وعلى توليد قيادات جديدة تجمع بين الوعي البصير والمعايير الأخلاقية النبيلة.

وفي حديثه عن صعوبات الحديث عن الثقافة الوطنية الفلسطينية يقول درّاج قد يبدو الحديث حول هذا الموضوع أمرا سهلا لا يثير من القضايا إلا قليلها, وقد يبدو السهل أكثر سهولة حيث يتم اختصار الثقافة إلى الآداب والفنون والأعمال الإبداعية والفنية والكتابية بشكل عام. يستطيع الدارس أن يقول عندها: ان الثقافة الوطنية الفلسطينية هي جملة الكتابات التي أنجزها الشعراء مثل محمود درويش ومعين بسيسو وإبراهيم طوقان وأبو سلمى وعبد الرحيم محمود وغيرهم ومجموع الأعمال الروائية التي خلّفها جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وحسين البرغوثي وإميل حبيبي إضافة إلى إبداع سميرة عزام في القصة القصيرة وإسماعيل شموط في الرسم وغير ذلك من المتميزين, ويستطيع الباحث أن يستدرك نقصا في الجواب فيذكر التراث الشعبي الفلسطيني في اللباس والأغنية والطعام وطقوس الزواج والأمثال الشعبية ويكمل قوله بالتذكير بالآثار والمواقع المقدسة مبتدئا بالقدس وبيت لحم وصولا إلى الناصرة.

ويقول درّاج تستقيم الإجابة السابقة في حدود التعريف النظري المدرسي للثقافة الوطنية على اعتبار أن الثقافة الوطنية هي جملة الوقائع الثقافية المكتوبة وغير المكتوبة التي تميز الشخصية الثقافية لشعب محدد فهي تشير إلى تاريخه وتستنهض ذاكرته وتشد من أزره في أزمنة الحصار.

وأخير وبعد تفسيرات ومقارنات حملها الكتاب يقول درّاج: وعلى الرغم من جيوش الشهداء النبيلة فإن الكفاح المسلح في شكله الفلسطيني يطرح الكثير من الأسئلة: هل هذا الكفاح ممكن ومتاح في جميع الأزمنة دون النظر إلى الظروف والامكانيات? وهل هو ممكن ومضمون النتيجة في حال الشقاق الفلسطيني? وهل هو فعل استشهادي نبيل فقط, أم أنه في خدمة سياسية وطنية واضحة موحدة الإرادة ? أليس في فعل الكفاح المسلح ما يحضُ على تأمل الإمكانيات الإنسانية واقتصاد القوى ومقدار الخسائر والأرباح? هذه أسئلة صعبة تحتاج إلى تأمل جماعي على الفلسطينيين إنجازه مهما كانت مواقفهم واجتهاداتهم, يقول دراج, لكن على الإجابة المنشودة أن تنطلق من تجربة عمرها عقود طويلة وأن تبدأ الوحدة الوطنية لا من حسابات كثيرة متطايرة في الهواء فالكفاح المسلح الذي لا يدعمه الوضوح السياسي يفضي إلى أمور كثيرة ولا يقود بالضرورة إلى تحرير الوطن حسب قول درّاج.

يحاول هذا الكتاب تأمل المواضيع المشار إليها مقترحا, ما استطاع, إجابات مجزوءة, تحتاج إلى أكثر من اجتهاد كما أشار الدكتور فيصل درّاج في مقدمة كتابة.