Wednesday 1st of December 2021
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    28-May-2010

من خلال روايته 'رأس داماشينو مونتيرو المفقود': متوسط أنطونيو تابوكي: أية رؤية سردية؟

القدس العربي -

شكل فضاء البحر الأبيض المتوسط مجالا خصبا للمتخيل السردي قديما وحديثا، وفي مختلف فنون الأدب نظرا إلى مكانة هذا الفضاء ودوره في بناء حضارة وثقافات الشعوب المحيطة بهذا البحر. ومن ثم، كانت أشكال حضور هذا الفضاء بأبعاده الحضارية والثقافية والإنسانية في أدب شعوب البحر الأبيض المتوسط في تشكلاتها الرمزية والدلالية، وفي أبعادها الفنية خطوة هامة لمعرفة مميزات حضارة هذا الفضاء وثقافته. ولعل المتأمل في الاشتغال السردي الروائي يجد قواسم مشتركة بين هذه الآداب تعكسها أواصر الجوار ودواعي الحوار الثقافي والتلاقح الحضاري من حيث الاهتمامات والصيغ الجمالية والفنية. ونحن في هذه القراءة سنركز على رواية 'رأس داماشينو مونتيرو المفقود'* للكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي لإثارة قضايا ترتبط بالرؤية السردية لهذا الفضاء. فما هو المتوسط في رؤية الكاتب؟ وهل، فعلا، له خصوصيات تميزه عن فضاءات أخرى؟ وكيف تعكس الرواية التي ننطلق منها بعض هذه الخصوصيات؟ وما هي مقومات رؤيته الثقافية / الأنثربولوجية للبرتغال؟

إن الاشتغال بما هو إنساني شامل يجعل الكتابة الروائية تتجاوز سؤال الخصوصية المتعلق بفضاء ما إلى إثارة أسئلة أخرى أكثر رحابة وشساعة. وهذا الدرس نأخذه من رواية الإيطالي تابوكي الذي كتب كثيرا عن البرتغال وما تمثله من قيم إنسانية وثقافية في سياق اهتمامه بأسئلة الواقع الراهن والإنسان المعاصر؛ ولكن هذا الاشتغال السردي/ الروائي يتجاوز الوقوف عند السمات الخاصة ليجعل من البرتغال كبلد متوسطي/ أطلسي مجالا إنسانيا تتقاطع فيه قيم وعادات وطبائع مشتركة نابعة من تواصل إنساني أكيد.

هكذا نجد أنفسنا في الرواية أمام بطل انتقل من لشبونة نحو مدينة أوبُرتو في شمال البرتغال لتجميع معلومات عن قتل مواطن وُجدت جثته في مكان/ مخيم يتجمع فيه غجر المدينة. وفي أثناء قيام البطل 'فرمينو' بمهامه الصحافية يطلعنا السارد على جوانب تتعلق بتمثلاته عن أوبرتو وعن عادات سكانها وعن مشاكلهم الاجتماعية الناجمة عن توتر الحياة المعاصرة وتشابكات وقائعها وأحداثها. وبهذه الشاكلة فإن لقاءات الصحافي بالآخرين تكشف له بعض الحقائق ـ في مجتمع أوبُرتو وفي البرتغال المعاصرين ـ التي كانت خافية عليه على الرغم من مهنته الصحافية ومزاولته لأنشطته في جريدة تصدر في العاصمة. ومن هنا نجد في النص الروائي بعض عادات سكان المدينة جلية واضحة، يعرض السارد من خلالها اكتشافات بطله في سياق تصويري يعرض معلومات ذات طابع ثقافي خالص ورؤية أنثروبولوجية لا تكاد تغيب عنها دهشة الاكتشاف والمعرفة. وهذه الرؤية الثقافية الأنثربولوجية تشتغل في سياق فني روائي هدفها تقديم صورة دقيقة عن واقع المدينة كما تمثله الرواية وهي تسعى إلى رصد الحياة الإنسانية المعاصرة في ظل أزمة مالية واقتصادية تعيشها البلاد. يقول السارد متحدثا عن اكتشاف بطله لبعض أحياء المدينة ومعالمها المعمارية:

'بدأ يتجول في المدينة وهو يتسلى بالبحث في الكتاب عن الأماكن التي تقوده إليها خطواته الهائمة. وجد نفسه في رواسان بنتودا فيتوريا، وأعجبه المكان خاصة لأنه في ذلك الجو الحار كان طريقا مظلما وهواؤه منعشا حيث يبدو أن الشمس لا تدخله. بحث عن هذا المكان في الفهرس الذي كان سهل التناول ووجده في الحال في صفحة مئة واثنتين وثلاثين. واكتشف أن ذلك الشارع كان يسمى قديما رواسان ميجيل وأنه في 1600 أعطى له راهب مجهول يدعى بريرا دي نوفيس وصفا بديعا باللغة الإسبانية. كان يتلذذ بهذا الوصف الفخم لهذا الراهب الذي كان يتحدث عن 'منازل العظماء والنبلاء'، وزراء ومستشارين وشخصيات بارزة أخرى من هذه المدينة واراها الزمن، ولكن بقيت من حياتهم شهادات معمارية: واجهات وأعمدة من الطراز الأيوني تذكر بعصر النبلاء الفخم لهذا الشارع قبل أن تحوله التغيرات التاريخية إلى طريق سوقي كما كان عليه في تلك الآونة...'( ص.56 ـ57).

يقف هذا النص عند بعض الخصائص المعمارية في المدينة كما تمثلها السارد وصورها من خلال رؤيته المكتشفة الباحثة عن معالم المدينة. وهذا النص يحدد بعض فضاءات المدينة المميزة ويذكر بعض المعلومات التاريخية عنها، وفي نفس الآن يشير إلى التغيرات التي أصابتها في الآونة الأخيرة كما يذكر. وما يلفت النظر في هذا التصوير السردي تركيزه على ميزة طبعت بناء دروب وأزقة بعض المدن المتوسطية بحيث كان الطريق مظلما وهواؤه منعشا لأن حرارة الشمس لا تصله. والسارد في هذا الوصف يقف عند جانب طالما أثار انتباه الرحالة نحو هذه المنطقة الجغرافية. ولقد أمعن السارد، أيضا، في توظيف مثل هذه المعطيات الثقافية والأنثروبولوجية عن المدينة توظيفا فنيا جسد من خلاله رغبة بطله في معرفة المدينة وإدراك سر الجريمة فيها، وهي المدينة التي تبدو هادئة مسالمة، لكنها تخفي ما لا تبديه كأغلب مدن هذا الفضاء الملتبس في عصرنا الحالي. وفي مشهد آخر من الرواية يقول السارد:

'عندما نزل في الأزقة الوعرة في جنوب المدينة وجد جمهرة لم يشك فيها. حقا إن مدينة أوبرتو تحتفظ ببعض الموروثات التي فقدتها مدينة لشبونة، مثلا بعض بائعات السمك وسلال السمك على رؤوسهن على الرغم من أنه كان يوم أحد، ثم نداء البائعين المتجولين الذين يعيدون طفولته إلى ذهنه، أبواق سناني السكاكين وبائعي الخضراوات عبر شارع براكادا أليجريا التي كانت مبهجة حقا كما يقول الاسم. توجد سوق صغيرة بها عربات باعة جائلين خضراء اللون حيث يبيعون كل شيء: ملابس مستعملة وزهورا، وبقولا وألعابا شعبية من الخشب ومصنوعات من الطين. اشترى طبقا صغيرا من الفخار رَسَمت عليه يد بسيطة برج كليريجوس. وكان متأكدا أنه سيعجب خطيبته. وصل إلى لارجو دو بادراو الذي كان سوقا بلا سوق لأن الفلاحين وبائعات السمك كانوا قد اختلقوا محال متنقلة في فراغ الأبواب وعلى الأرصفة في شارع روا دي سانتو إلدفونسو. وصل بعد إلى فونتنهاس حيث توجد سوق صغيرة للأشياء المستعملة، عربات كثيرة مغلقة لأن السوق الصغيرة هذه تعمل يوم السبت فقط، ولكن بعض التجار كانوا يعملون أيضا يوم الأحد صباحا. توقف أمام عربة أقفاص صغيرة تبيع طيورا غريبة. وعلى الأقفاص توجد أشرطة ورقية تشير إلى اسم الطائر ومكان المنشأ، معظمها يأتي من البرازيل وماديرا. فكر فيرمينو في ماديرا، وكيف سيكون جميلا أن يقضي بها إجازة رائعة، كما تعد اللافتات الإعلانية للخطوط الجوية البرتغالية. وبجوارها كانت توجد عربة كتب مستعملة. بدأ فرمينو يلقي نظرة عليها. عثر على كتاب قديم يتحدث عن كيف كانت المدينة تتواصل مع العالم منذ قرن مضى، أمعن النظر في فصل من الكتاب يتحدث عن الجرائد والإعلانات لذلك العصر (..) شعر فرمينو بإحساس حب لهذه المدينة التي شعر تجاهها من قبل بارتياب، وتوصل إلى أننا جميعنا ضحايا للأحكام المسبقة..' ( ص. 90 ـ 92).

يجري البطل مقارنة بين مدينتي لشبونة وأوبُرتو مركزا على بعض الخصوصيات التي تميز هذه الأخيرة من أسواق شعبية تعج بمختلف البضائع والسلع مثل الخضراوات والملابس والسمك ومصنوعات طينية وألعاب شعبية وطيور مستوردة من البرازيل، ويمضي بنا في جولته متحدثا عن تنوع المشاهد في هذه الأسواق الشعبية إلى أن يقف عند عربة كتب مستعملة أثار انتباهه فيها كتاب قديم يتحدث عن كيفية تواصل المدينة في القرن الماضي مع العالم. ويبين السارد كيف يشعر بطله فرمينو بالحنين لما فقدته مدينته الأصل لشبونة من علامات الماضي وعثر على بعض منها في أوبرتو. وإذا كانت المدينة قد أثارت في البداية شعورا بالارتياب والشك لديه، فإنه في هذا المشهد يصرح بأن الأحكام المسبقة عن المدن قد تبعدنا عنها وتجعلنا نكرهها دون داع، وبذلك يعلن البطل عن ميل واضح وحب يتخلق طي وجدانه لهذه المدينة التي جاءها مرغما قصد التحقيق في وقائع جريمة قتل وتغطيتها. وتكشف أحداث الرواية في الفصول الأخيرة منها عن تعلق فرمينو بالمدينة التي عثر فيها على ما افتقده في العاصمة من دفء إنساني وعلاقات صداقة وتفاهم إنساني، وما فقدته من سمات خاصة في المعمار والبناء. ولقد وجد في أوبرتو نوعا من السكون والاطمئنان النفسي والإحساس بالأمان على الرغم من هواجس الخوف التي طالما انتابته في بداية حلوله في المدينة. وإذا كانت المدينة قد أشعرته بنوع من الاضطراب والتوتر والالتباس في أحداثها المتواترة المفاجأة، فإنها على الرغم من ذلك كشفت له عن أوجه خفية من الواقع الاجتماعي في البرتغال الحديثة التي عرفت تبدلات مهولة في الزمن الراهن.

وعبر رحلتنا المكتشفة الكاشفة مع بطل هذه الرواية الممتعة للكاتب الإيطالي ندرك أن رؤية فضاء البحر الأبيض المتوسط من طرف كاتب متوسطي لبلد آخر يقع على مشارف هذا البحر الداخلي كما سماه اليونان، لا تخلو من إثارة أسئلة إشكالية حول حقيقة هذا الفضاء الجغرافي والإنساني الملتبس، وهي أسئلة سبق أن ناقشها الكاتب اليوغسلافي بريدراك ماتفجيفتْش في كتابه 'تراتيل متوسطية' الذي ترجم إلى أكثر من أربع عشرة لغة ونوقش على نطاق واسع في المحافل الدولية. ومن بين هذه الإشكالات سؤال سبق للمؤرخ ورائد الحوليات فرديناند بروديل أن طرحه: 'ما هو المتوسط؟' هل المتوسط فضاء جغرافي خاص ( يتميز ببعض السمات المختلفة عن فضاءات جغرافية أخرى)؟ هل هو مجال لحراك تاريخي نوعي؟ هل له خصوصيات عرقية وإثنية مختلفة عن غيره من الفضاءات الأخرى؟ هل له ميزات فكرية ومعرفية وعلمية مختلفة؟ هل عاداته الاجتماعية وتقاليده وقيمه لها بعض التميز عن غيره من الفضاءات؟

إن ما يمكن أن نستفيده من الكتابة السردية الروائية عند تابوكي هو أن وهم الخصوصية لا يمكن الركون إليه في المتخيل الأدبي المتوسطي الحديث نظرا إلى أن هذا الفضاء مكان عبور ومجال تحول حضاري مستمر. ومن ثم، فلا يمكن أن ندرك سمات هذا الفضاء ولا يمكن تحديده بدقة ما دامت جل بلدانه لها امتدادات في جغرافية القارات التي توجد بها. والبرتغال على الرغم من إطلالها على هذا البحر إلا أن وجود أغلب مدنها على المحيط الأطلسي يجعل منها موطنا آخر لتمازج الثقافات والحضارات، ولعل هذا ما اكتشفه فيرمينو وهو يجول بين أحياء مدينة أوبرتو ويتردد على مقاهيها وحاناتها ويلج بعض فنادقها وبيوتها. ولقد كان تابوكي على وعي بضرورة تصوير انفتاح المدينة على رياح تحولات الحياة في واقعنا المعاصر فجعل من حادثة قتل داماشينو مونتيرو منطلقا لرصد عالمية الجريمة وارتباطها بشبكات تهريب المخدرات وبمن يسهل أمور تبييض الأموال ويخفي كل أثر لما هو غير سوي في مجتمعات البحر الأبيض المتوسط. وانتهاؤنا إلى هذه النتيجة يؤكد ملاحظة ذكرها الكاتب اليوغسلافي بريدراك ماتفجيفتْش في كتابه المشار إليه أعلاه مفادها أن شعوب البحر الأبيض المتوسط عجزت عن أن تكون متوسطية عبر مختلف حقب التاريخ نظرا إلى التحولات الكبرى التي عرفها هذا الفضاء دائما وأبدا.

هامش:

(*). أنطونيو تابوكي، 'رأس داماشينو منتيرو المفقود' ، ترجمة د. ناهد محمد عبد الله، دار شرقيات، القاهرة، 2008.