الرأي -
فإذا كان حلمك يا غالب في حياة جديدة، قد دفعك الى حفظ ثم قص الحكايات الشعبية التي كنا نتبارى في سردها ونحن صغار، فقد اتخذ الحلم عندك طابعا جامحا ولد في نفسك حب الادب الرفيع، وبعدها كتابة هذا الادب بكل صوره. لقد صغت بذكائك وبراعتك وعظيم موهبتك الصور المتعددة من ألوان المعرفة، فشق يراعك المرهف الطريق وامتطيت البساط السحري وامتشقت قلمك المارد من قمقمه، فكان يأتيك مهذبا منحنيا وبصوت خاشع «شبيك لبيك عبدك بين أيديك».
كنا صغارا في مدرسة الاتحادية الانجيلية الاميركية في مادبا، وذلك في اثناء الحرب العالمية الثانية وبعيدها، في مرحلة الدراسة الثانوية الاولى «الثاني الثانوي» وكان غالب اصغرنا في الصف، الذي لم يزد عدد التلامذه فيه على العشرة، غالب بيننا كان ملتهب الذكاء متوقد الذهن، فقد كان يسوي دروسه والمطلوب منه بدقائق معدودات، وبقية الوقت كان للمناكفة والمشاكسة اللفظية والجدل حول كل شيء. فاذا خلا بنفسه فمع الكتاب.
كان غالب سابقا لزملائه.. بل ربما سبق زمانه.. انني لا اذكره لا كاتبا ولا اديبا، فأنا لم اعرفه يعالج الكتابة (علنا) الا بعد ان افترقنا وتباعدت بنا السبل. اذكره زميلا في الصف في مادبا واعرفه قارئا نهما، كان يقرأ ساعات وساعات، يقرأ الادب بأنواعه ويهتم بالشعر العربي قديمه وحديثه كما كان يهتم بالآداب الاجنبية- خاصة الادب الانجليزي -الاميركي لتمكنه من اللغة الانجليزية- وذلك في سن مبكرة، وكان مولعا بالقصص الشعبي، اذ كان يطلب وبالحاح من احد الزملاء الذي كان يحفظ تغريبة بني هلال بأن يقصها عليه لساعات في ساحة المدرسة، وكان يطرب كثيرا لسماع قصائد الشعراء الشعبيين في مادبا، وابرزهم في تلك الفترة سلمان سعيفان الصويص، ابو عادل، وحين يسمع ان الشاعر الشعبي غثيان المناعسة العجرمي يقصد في احدى المضافات، يسارع الى حضور الجلسة للاستماع لشعره، الذي كان ينساب منه بسهولة وعذوبة.
حدث مرة شجار في المدرسة تبعه عراك بين الطلبة واتخذ شكلا عائليا، اثار ناظر المدرسة آنذاك الاستاذ الياس كرادشه، واخذ يوبخنا في الساحة، وكان مما قاله: «جسوم البغال واحلام العصافير» والتفت وبشكل عفوي نحو غالب هلسا النحيل فـ«لقط» المدير- وكان معلما كفوءا ومربيا فاضلا- نظرتي، فدعانا عند انقضاء النهار الى مكتبه وقال:
«ان ما حدث يخرج المرء عن طوره، وكأنه يعتذر عن قساوة خطابه، فطابت النفوس وعدنا الى بيوتنا، واذكر ان الاستاذ كرادشه، كان يشجع الطلبة على امتلاك الملكة الادبية والمقدرة على التعبير عن الذات، وذلك باقامة الندوات في المدرسة والقاء الاشعار والكتابة الانشائية، في ميادين المعرفة. وكان يصرف جوائز للنابهين كتبا من مكتبته الخاصة، واذكر في احد المواسم ان كان نصيب غالب، احدى تلك الجوائز (احد كتب طه حسين)، وكذلك الطالب شفيق خوري الكرادشه، وانا، ولقد غبطني غالب كثيرا لأن نصيبي كان كتاب «الغربال» في النقد لميخائيل نعيمه، وطبعا قرأ غالب الكتاب قبلي.
في تلك المرحلة وفي ليالي الشتاء الطويل في مادبا، كان غالب يمضي اجمل ساعاته، مع روبرت ستيفنسون، فهو يقول: «اذكر انني كنت في الثانية عشرة من عمري اسكن مع اخي في مادبا في بيت متوحد خارج البلدة، كان الوقت شتاء والجميع ناموا، حملت السراج ووضعته قرب الفرشة، الملقاة على الارض، واخذت اقرأ رواية (السهم الاسود) وهي ثاني رواية اقرأها لستفينسون، الاولى كانت «جزيرة الكنز»، ويقول غالب: ستيفنسون يرتبط في خيالي بليالي الشتاء الموحشة، الليالي الماضية، اجمل متع الحياة واجمل ما في طفولتي».
روى لي الدكتور المهندس غسان حنا هلسا، ابن اخ غالب «غالب كان يقرأ كل يوم كتابا، وكان يجمعنا نحن صغار البيت من حوله، يقص علينا ما قرأ، فكان وهو يروي، يتقمص ابطال الحكاية، فيتحدث بلسانها، وكأنه يمثل دور البطل، فكان يبهرنا ويستحوذ علينا بما كان يروي.». ويستمر د. غسان، مرة أخذ يقص علي قصة بحيث جعل مني بطلها، فاخذ يغذي مخيلتي ويدفعني أن اسلك سلوك بطل القصة وامثل دوره، خاصة وانا اقود بعضلات قوية السيارة الحمراء في وسط ازدحام المدينة والتعريجات الصعبة للطريق، وكيف بالتالي أهزم الاعداء والخصوم، وهكذا كان يشعل خيالي حتى أنني حين سافرت لأميركا للدراسة، واشتريت أول سيارة اخترت ان يكون لونها أحمر.
لقد أتيحت لغالب فرصة جيدة منذ صغره لأن يثقف نفسه، ذلك أنه نشأ وعاش في بيت مثقف، فيه رفوف من الكتب، كانت لاخوته الكبار، الذين كانوا من طلائع المثقفين في البلد، فأخوه يعقوب -وهو شبهه تماما - كان من كبار موظفي وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية، وأخوه حنا كان محاميا مرموقا في كل من مادبا وعمان، وغالب عاش في بيته في مادبا.. فكان له بمثابة الاب والمربي، حيث ان فارق السن بين غالب وابيه كبيرا، مما يجعلنا نصنف غالب بالحفيد له.
كان حنا من خريجي كلية تراسنطة ومن أوائل المحامين، وكان من طلائع المثقفين الماركسيين في الاردن، وكان كذلك صاحب حضور في المجتمع، وقد تأثر فيه غالب، هذا وقد أحس حنا بذكاء غالب المبكر، فرعاه ووقف بجانبه في كثير من الشدائد التي لاقاها غالب المناضل في حياته: منها اخراجه من سجن المزة في دمشق، والسفر معه لبيروت ليلتحق غالب بالجامعة الأميركية، وكان المحرك الحقيقي لكل ذلك هي الأم، التي كانت هي بالفعل الراعية للاولاد والمدبرة لشؤون البيت، فكانت تخرج مما تدخر من الذهب، تصرف على غالب واخوته، فكم وكم دار غالب حول أمه متلاطفا ومتشاكيا حتى «تنفحه» أمه قطعة من المعدن الثمين.
أما أبوه فكان يدير متجرا لهم في البيت الذي يعيشون فيه في ماعين، وكان الوالد يجلب البضاعة من القدس، كما يصدر اليها مما تنتجه قرية ماعين من سمن والبان وثمار وغيرها. ويروى مرة أن والد غالب كان يقطع «الشريعة» - نهر الاردن - في طريقه الى القدس، فسقطت نقوده في الماء، فشمر وغاص المرة تلو الاخرى واخرج الفلوس ما خلا نصف مجيدي، وحين دخل الفندق في القدس واستعد للنوم.. وجد النصف مجيدى ساقطا في حذائه.
ولد سلامه الهلسا - والد غالب - في قرية حمود من اعمال الكرك، والتي كان غالبية سكانها من عشيرة الهلسا. ولقد اختلف سلامه مع أخيه الكبير، فترك «حمود» وترك عباءته.. وسار ماشيا حتى وصل ماعين، ونزل ضيفا عند قريب له اسمه خليل الهلسا. فرح به هذا القريب واستأنس بمقدمه، حيث كان هو الوحيد من عشيرة الهلسا الذي يسكن في ماعين، وسرعان ما بدأ معه العمل في الحقل والتجارة.فسكان قرية ماعين آنذاك كانوا ينقسمون الى قبيلتين كبيرتين، قبيلة مسلمه وهم العوازم (بأفخاذها وبطونها) وقبيلة مسيحية هم الحدادين.
كان يعيش مع خليل بماعين اخت له، ترملت حديثا ولها ابنتان الكبيرة واسمها «فضية» عمرها احدى عشرة سنة، فقال خليل لسلامه:- «تزوج من فضية، فهي جميلة، وانا بهذا يطمئن قلبي على اختي وبناتها». فقبل سلامه، وعمره انذاك قد قارب الثلاثين سنة وتندر الناس من فضية فقد طلبت في يوم عرسها، (عندما حل المساء) العودة الى امها، فحاول الحاضرون ابقاءها وذلك بتقديم وجبة طيبة لها (ورك من الدجاج المحمر) لتبقى في منزل عريسها، الذي - كما يقال - لم يعرفها حتى بلغت الثالثة عشرة سنة.
والطريف أن والد غالب كان مولعا بالمطالعة، وعنده كتب، كان يستخدمها، فكان يعد من هذه الكتب قصصا، (وهي كتب ذات طابع ديني واسطوري)، عن مريم العذراء بخاصة، ويذيعها بين الناس، كما وكان يكتب الحجب يوزعها على من يريد حجب لجلب الحظ السعيد وطرد الشر والفأل النحس. الغريب ان «غالب» لم يذكر والده في رواياته، ما خلا انه ذكر ان والده من طوال العمر، معللا نفسه بأنه هو سيكون كذلك. (جاء في وثيقة تقدير سن من الفترة العثمانية ان سلامه الهلسا ولد العام 1870م في قرية حمود اما وفاته فكانت سنة 1969 م في ماعين) غالب كان يرى في سلوك والده في الابتعاد عن المشاكل اليومية، وترك الامور الحياتية الصغيرة ليتولاها غيره، لونا من الفلسفة، فيقول: «والدي فيلسوف»، وكثيرا ما كرر مثل هذا القول.
في حين ان صورة والدته تتكرر وتلازمه في أكثر رواياته، ففي قصته «بديع والقديسة هيلانة» هذه القصة المفعمة برائحة قريته ماعين، تتجلى صورة الام واضحة، فهي التي أصرت على السفر بأبنتها المريضة الى الارض المقدسة الى الناصرة، لترى هناك امرأة اشتهرت بأنها كانت «تشفي» المرضى بدعائها وصلاتها..
وقد سماها غالب «القديسة هيلانة» فقصدتها امه لكي تشفي ابنتها، التي اصيبت بالخرس، بسبب مرضها بالتهاب السحايا. وفي هذه القصة ظهرت شخصية أخيه حنا وزوجته، بجانب صورة الام الحزينة ليس على ابنتها المريضة والمعاقة فحسب بل على فقدها ولدها «بديع»، وهو في ريعان شبابه ومقتبل عمره، فقد كان بديع شابا واعدا بتفوقه وموهبته الشعرية المبكرة وللاسف توفي فمن هنا نرى سر هذه الام المكلومة التي تخص غالب بحنانها وتضاعفه له، تعويضا عن فقدها لولدها.
ففي العديد من أعمال غالب الروائية تبرز طفولته بوضوح من خلال الاهمية البالغة التي يعطيها لشخصية الام، فانظروا معي الى هذه الصورة عن ام بطل رواية «سلطانة» كم في هذه الصورة من عواطف متأججة وجياشة: «كانت الايقونة من خشب أسود، وقد أصبح أسود املس، وقد علقتها امي على جدار المصطبة الغربية فوق الموضع الذي تنام فيه في الايام الباردة، وكانت أمي تخص العذراء بصلاتها ومطالبها، أما المسيح والخضر فكانت تقدم اليهما الزيت والشموع فقط. في ساعات الضيق كانت أمي تعاتب العذراء، كما لو كانت صديقة مخلصة أخلت بوعدها.
وفي بعض الليالي كانت العذراء تظهر لأمي في أحلامها وتعتذر، وفي اليوم التالي تظل الشمعة مشتعلة طول النهار أمام الايقونة. وصورة اخرى:
«عندما دخلت من باب الحوش سمعت أمي تنوح ببكائيات وتتنهد وتنشج، أدركت أنها انتظرتني طويلا، وعندما شعرت بالملل أخذت تكنس الدار وتنوح لتسلي نفسها.. وهي (أمي) لا تجيد من الاغاني سوى البكائيات، كان ذلك النواح يؤدي دائما الى بكاء حقيقي، وعندما تكون في مثل هذه الحالة يصعب اسكاتها، تتوقف قليلا ثم يغلبها اللحن فتستسلم له.
بعد ان انهينا (غالب) وانا دراسة الثانوية المتوسطة في مادبا، انتقلنا لاتمام المرحلة الثانوية العامة في عمان، اما انا فدخلت مدرسة عمان الثانوية التي اصبحت بعد سنتين تعرف بكلية الحسين، وغالب التحق بمدرسة المطران، ولكونها مدرسة خاصة، فأقساطها مرتفعة، لذا كان يدرس فيها بالدرجة الاولى اولاد الميسورين في البلد، وبقي غالب في مدرسة المطران كذلك الاصغر سنا في صفه، ولقي بسبب ذلك كثيرا من العنت، لذلك نراه مرة يقول ساخرا: «ان الصراع لا يدور بين الاغنياء والفقراء فقط، بل بين الصغار والكبار ايضا».
جو مدرسة المطران المتفتح بهر «غالب» فالمكتبة غنية نسبيا والمعلمون من خيرة المثقفين في البلد آنذاك، من خريجي الجامعة الاميركية في بيروت وغيرها ومن بينهم الاستاذ جريس الهلسا وخلف الحدادين بجانب مدير المدرسة الانجليزي جيمس صطن، الذي كان مقبلا على الطلبة بتفتح شديد مخالفا لنمط حياة الشرق المتزمتة، ففي دروس علم الاحياء مثلا، كان يحدث الطلاب بصراحة حول التكاثر والجنس في عالم النبات، كما عند المخلوقات ومنها الانسان.. ولفت انتباه غالب بالذات في هذه الفترة، نظرية التطور عند شارل داروين، وليس حديث الداروينية الذي اثر في غالب فحسب، بل الجو الليبرالي عموما السائد في المدرسة، وخاصة مع المعلمين فبرزت في هذه الاجواء قابلية غالب في المجادلة والنقاش العلمي العميق.
ومعلوم انه في هذه الفترة 1947-1949م اخذت تتشكل لدينا نحن الشباب صور كثيرة وافكار جديدة كان لتقسيم فلسطين، ثم لنكبة سنة 1948 ونزوح اللاجئين بأعداد كبيرة الاثر الاكبر في تفاعلها في نفوسنا جميعا، ناهيك عن ان هذه النكبة قد وقعت بعد نهوض عارم شمل بلدان العالم ومنها بلادنا، اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد الانتصار على النازية والفاشية، فالصورة قد تداخلت، واصبحت عمان مشحونة بالاثارة الكامنة تحت سطح ساكن، اذكر ان نشاط المثقفين في عمان كان منصبا في ناديين كبيرين اولهما كان «المنتدى العربي» وكان مركزه في شارع وادي السير ليس بعيدا عن «طلعة الحايك» في اول جبل عمان، وثانيهما في «دار الندوة الادبية» وكان مركزها في عمارة تطل على ساحة الجامع الحسيني الكبير وكان جمهور المثقفين في عمان يلتقي في امسيات ثقافية سياسية واجتماعية تقام في قاعات هاتين الدارين، كان يرتاد المنتدى العربي الفئة المثقفة الغنية من المحامين والاطباء والصيادلة ورجال التربية الكبار، وبعض المتنفذين من رجال الدولة وكبار الموظفين.
وكان التوجه العام عند رواد المنتدى هو التوجه القومي، خاصة نشطاء حزب البعث العربي، والقوميين العرب، وغيرهم من المستقلين الذين يتعاطفون مع مثل هذه الافكار ويتبنونها، وكان من ابرز العاملين في المنتدى العربي، الصيدلي امين شقير والمحامي سليمان الحديدي والدكتور منيف الزراز والاستاذ محمد العرموطي ورجال التربية الاستاذ حمد الفرحان والشيخ ابراهيم القطان والاستاذ حسني فريز والاستاذ خليل السالم وهذا الاخير اذكره جيدا، حيث حضرت بصحبة غالب واخ ثالث احتفالا كبيرا اقيم في المنتدى العربي، بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة وكان من بين المتحدثين الاستاذ خليل السالم الذي تحدث بحرارة مدهشة وعبر عن اعتزاز كل عربي مسلما كان او مسيحيا بهذه المناسبة وصاحبها الرسول العربي الكريم. ثم نوه بدلالاتها العميقة على الامة العربية وخرجنا ونحن متأثرون وبقي انطباع تلك الامسية عميقا في نفوسنا.
اما دار الندوة الادبية، فكان يؤمها فئة المعلمين والموظفين الصغار والمتقدمين من الطلبة. واخذ يرتاد دار الندوة المثقفون اللاجئون من ابناء فلسطين بعد النكبة، كذلك الشباب المثقف من ابناء الاردن، النازحون لعمان طلبا لفرص حياتية افضل، فعمان قد اخذت تكبر وتكبر بشكل غير مسبوق كان نشاط دار الندوة اوسع واكثر كثافة، يغلب الطابع الديمقراطي والشعبي على اجوائها.
وبرزت ظاهرة ذات دلالة بين زوار الدار وهي ان الغالبية العظمى من الشباب، اخذوا يتكلمون اللغة الفصحى، غير المتقعرة، او لنقل لغة الصحافة او ما يحاول بعضهم تسميتها «اللغة الثالثة» والدافع لذلك واضح، فقد اجتمع في هذه الدار شباب من مختلف المدن والقرى الاردنية والفلسطينية، فكانت الفصحى وبطريقة تلقائية هي الجامع واللسان المشترك. وفيما اذكر ان اشعار عرار شاعر الاردن كانت اكثر ما يردده الشباب في الندوة والشاعر الكبير نفسه كان من رواد الدار.
ومن نشطاء دار الندوة كان الدكتور نبيه ارشيدات والكاتب اللامع يعقوب عويس والاستاذ فايز الروسان والاستاذ آمال نفاع وغيرهم، وغير بعيد من دار الندوة وبالتحديد في شارع الملك طلال كانت عيادتان مهمتان لعضوين بارزين من اعضاء المنتدى العربي، يرتادهما الشباب بجانب المرضى العاديين وهما عيادة الدكتور عبدالرحمن شقير وعيادة الدكتور جورج حبش، وجدير بالذكر انه في هذه الفترة كان تلميذ آخر يدرس في الكلية العلمية الاسلامية، يتردد على دار الندوة حيث كان غالب يتردد، هو الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف.
ينهي غالب دراسته الثانوية في مدرسة المطران في عمان، وبعدها يلتحق بالجامعة الاميركية في بيروت لمتابعة دراسته الجامعية.. ولكن سرعان ما عاد لعمان مطرودا من الجامعة، مصدوما هذه المرة ومشوشا ومرعوبا، ذلك ان «غالب» ما ان التحق بالجامعة الاميركية حتى اخذ بالعمل السياسي في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني، وسرعان ما اعتقل وسجن وعذب اثر اشتراكه في مظاهرة في مدينة طرابلس وذلك عام 1951م ( او 1950م) ونلتقي من جديد، وهذه المرة لنعيش معا في غرفة بسيطة في «حي المصدار» في عمان. غالب في هذه الفترة كان حزينا يحس بعمق انه سيىء الحظ، قليل الصبر فيما يوكل اليه من مهام، لقد كان في داخله ذلك التصميم المرتعش المتوتر وانه فوق ذلك مطارد مقهور ولازمه انقباض وعدم الرضا عن كل شيء. وبدت له عمان قرية كبيرة لا تسعه، فلاذ بالكتاب كالعادة، وهذه المرة مع مشردي «مكسيم غوركي» وكأنه اخذ يحس بعمق انه واحد منهم.
العيش مع غالب في غرفة واحدة شيء ممتع وثري، وبالدرجة نفسها متعب، فالموهوبون ترافقهم في الغالب الفوضى وعدم الاهتمام بالاشياء الحياتية والروتينية، الصغيرة، كغسل الصحون وتنظيف الغرفة وما شاكل، ولكن الاشياء الصغيرة هذه، يجب ان «تسوى» فكانت تسويتها في الغالب من نصيبي، ضاق غالب بعمان، فكانت تعتمل في نفسه احاسيس متلاحقة ومتلاطمة يحاول ان يصهرها لا بل ان يخضعها ضمن فرضيات حسب آنذاك ان فيها تفسيرا وتعليلا لكل ما يجري من حوله، وقراءته السياسية في تلك الفترة كانت محدودة وكما اشار هو نفسه قرأ كتاب لينين «الدولة والثورة» ويقول: «كنت اعتقد ان ذلك كاف جدا، واعرف الآن انني لم ابدأ بعد».
واذكر انني وبتشجيع من غالب اشتريت كتابا للروائية الاميركية الحائزة على جائزة نوبل للأدب 1931 بيرل باك «الارض الطيبة» والتي كتبت كثيرا عن الصين هذه البلاد التي عاشت فيها طويلا فعرفتها واحبتها، فبدأت اقرأ واحكي لغالب ما اقرأ وكان يحب ذلك كثيرا، وحين قصصت عليه كيف ان بطل الرواية في يوم عرسه، يذهب الى الحلاق، ثم الى الحمام، ويلبس ثيابا نظيفة، عندها يتقدم منه شحاذ طالبا منه صدقة، يقول بطل الرواية «هذه اول مرة يطلب مني فيها صدقة، هذه اول مرة احس انني انسان» عندها يلتقط غالب الكتاب من يدي ولا يتركه حتى يفرغ منه.
يبدو ان «غالب» كان يكتب ويكتب في الخفية، ولكنه كان يلح علي ان اعلن محاولاتي البسيطة والمتواضعة في الكتابة وأنشرها، واذكر انني كنت انشر في الصفحة الادبية ليوم الاحد في جريدة «الاردن» والتي كان يحررها الاستاذ مسلم بسيسو، ويوما كتبت مقطوعة انهيتها بالتالي: «ما اعظم الشك يقود لليقين».. وما ان قرأ غالب المقطوعة حتى بادرني وقال: «الاجدر بك ان تقول: ما اعظم الشك يقود للشك، فأنت بهذا انما تدخل الى دائرة اوسع، ابعد واعمق واعقد».. هذا هو غالب وهذا هو الشك الذي راوده في روايته العظيمة «الضحك» لقد انتهى عالم المسلمات، انني افتقد كل ثقة في نفسي، ومهزوم تماما، وهل انت «يخاطب بطلة الرواية» واثقة تماما، واثقة من موقفك من الصراع الصيني السوفياتي؟هل تعرفين بالضبط من المحق؟ ومن المخطىء ؟ هل تؤيدين الاشتراكية عندما تكبت حرية التعبير، وتكبت الادب والفن؟
اخرج للعمل صباحا ويبقى غالب في فراشه، ويبدو انه ما ان اخرج حتى يبدأ بالكتابة، فغالب كان يكتب في فترة مبكرة من حياته، غير انه لم يكن يطلع احدا على ذلك، فالكتابة كما يقول «كانت التحدي السري والمخجل وكنت اشعر انني بالكتابة ارتكب فضيحة ما، اخرق قوانين معينة» ويقول: «كنت اصحو كل يوم فأكتب احلامي، لذا اصبح جزءا من كتابتي الفنتازيا وعالم الحلم هذا».
وبعد، لم تتميز علاقة غالب - في هذه الفترة على الاقل - بالناس بالمجاملة والسهولة، وكون غالب رافضا ولماحا بطبعه ومميزا بذكائه، وكان يقول للناس ما يراه هو وليس بالضرورة ما يحبون، فكنت احس ان كثيرين من المعارف يخشون الحديث اليه، ناهيك عن الصدام معه.
وأنهي هذه الشهادة عن غالب بالقول: انه ومنذ بدأ دراسته في بيروت، اخذ بسبب نشاطه السياسي ينتقل من سجن الى منفى ما بين بيروت وعمان والجفر، وذكرت الجفر هنا، هذا الموقع شبه الصحراوي الذي اشتهر في اوائل الخمسينيات من القرن الفائت كأكبر معتقل في الاردن، حيث كان يرسل اليه بالمناضلين والوطنيين السجناء، وكان في مقدمتهم الوطني والكاتب المعروف حسن سعود النابلسي، الذي اصدر في عمان مجلة باسم «الفجر الجديد» والتي كانت تنطق باسم انصار السلم العالمي في الاردن، واتخذ النابلسي في وسط عمان في املاك والده مكتبا للمجلة،
فذهبت في مساء خريفي من عام 1951 ومعي غالب لزيارة المجلة، وكان في جعبتي مقطوعة اريد نشرها في العدد المقبل، فالتقينا مع اخوة آخرين كانوا في زيارة النابلسي ومنهم الشاعر محمد محمود العزة - جاء من اجل استعارة كتاب- والصيدلي روفائيل زيادين من نشطاء حركة السلم العالمي آنذاك، وفيما نحن نشرب الشاي، جاء المكتب زوار آخرون من افراد الامن يحملون امرا - استثنائيا- بالقبض على النابلسي، ومن معه وما معه - من اقلام واوراق وغير ذلك- وحملونا جميعا بالسيارات الى سجن عمان المركزي فاستقبلنا مديره الضابط الطيب الحاج عربي، في الطريق للسجن اخذ الشاعر العزة يردد قصيدته:-
«قسما بحق اللاجئين وعري سكان الخيام قسما بحقك في الحياة وطول حفظك للذمام وقسما وقسما».
في الصباح اخذ يرحب بنا سجين سوري عادي، من أهل الميدان بدمشق: «يا مرحبا بالمقبل يا مرحبا»، وأخذ يغني على شيخ حي الميدان وزعيمه محمد الاسمر الذي كان من أبطال ثورة 1936م في فلسطين، ومن أبرز رجالات أنصار السلم العالمي في دمشق آنذاك، ويغني السجين:
«يا مرحبا بالمقبل عين الغزال عينه
بعد عيني يا الاسمر
شايل ولد بحضينه»، فيردد زيادين، «شايل غالب بحضينه».. كناية عن صغر حجم غالب، فنضحك جميعا من الاعماق.
ومن سجن عمان المركزي، نقلنا بعد مدة الى معتقل الجفر الصحراوي، وكان ضمن القافلة التي تحملنا فؤاد نصار ورفاقه الذين كانوا نزلاء السجن قبلنا، لا أريد أن استرسل في الحديث عن السجن وعن معتقل الجفر فهذا يطول، وانما أذكر أن مجلة «الفجر الجديد» واصلت الصدور وبشكل متواضع في دفاتر كنا نكتبها باليد، وكان يسمح بادخال الكتب الى المعتقل، خاصة الكتب التراثية، فغالب واصل من جديد ملازمة أديبه المفضل ابن المقفع، وأنا قرأت لاول مرة مقدمة ابن خلدون ولعل هذه القراءة، كانت سببا في مواصلتي لدراسة التاريخ، أما الصديق المرحوم الدكتور عبدالرحيم بدر، هذا الرجل المدهش، والذي انضم الى نزلاء معتقل الجفر، ضمن قافلة اخرى من المعتقلين المناضلين، والذين لحقوا بنا، فقد أكب على ترجمة كتاب «المعطف» للاديب الروسي الكبير غوغول.
وكان من العادة أن يملأ السجناء وقتهم وخاصة في المساء، في شيء مفيد بأن يعقدوا أمسيات يتحدث فيها واحد منهم في موضوع ثقافي ما، وكان أن تحدث غالب عن «لينين» في امسية من شتاء 1952 م. هاجم في محاضرته