Sunday 1st of November 2026
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    18-May-2007

أعماله الشعرية صدرت في مجلّدين ... فاضل العزاوي في صورة البطل بحثاً عن دور جديد

دار الحياة -

بغداد - الحياة :

حين يجد قارئ، من جيل الستينات، نفسه أمام «اعمال شعرية» مجتمعة لشاعر من طراز فاضل العزاوي (صدرت حديثاً في مجلدين عن دار الجمل)، فإنه لا يرى في الكتابة عنها امراً سهلاً، خصوصاً اذا أراد النظر فيها من زاويتي، الأولى كونها منجزاً ابداعياً يغطي نصف قرن، او يزيد، من الشعر، بما شهد نصف القرن هذا من تيارات، او عاش من صراعات او بما تداخل، مع سنواته، من افكار ومواقف وتحالفات وخصومات وتبدلات في المواقع والمواقف التي لم يكن الشعر والشاعر بمنأى عنها، او بعيداً من تداعياتها. أما الزاوية الثانية فهي في ما يمثله وضع هذا المنجز الشعري، على نحو طبيعي، في سياقه التاريخي بصفته حركة وتطوراً لتقييم ما تحقق منه على سطح الورق، واين هو اليوم، رؤية وموقعاً، ضمن المشهد الشعري.

وعلى هذا، فإن مثل هذه «المراجعة» ليست سهلة، ولا «التقييم»، فنياً وموضوعياً، يمكن ان يتاح ضمن فسحة محدودة في النشر. فالمنجز الشعري الستيني – فردياً كان، ام جمعياً بالنسبة للجيل - أصبح منجزاً تاريخياً يحتم في حال النظر فيه والتقييم، ما لكل واقع تاريخي من اعتبار. لذلك ينبغي ان تجري كل عملية نظر شاملة وتقييم كلي على مثل هذا الاساس الموضوعي، وان تتم المراجعة، حين تتم من خلال وضعه في سياقين: السياق الابداعي بالنسبة الى مرحلته، والسياق التاريخي الذي يتشكل فيه.

لعل اكثر من يؤكد هذه الفكرة – النظرة ما نجده متحققاً في مستوى النشر، اذ ان معظم شعراء هذا الجيل عمدوا، منذ سنوات، الى اعادة اصدار اعمالهم الشعرية في شكل كامل او شبه كامل، وكأنهم يتوخون منها الالتئام مع تواريخهم، فيقدم كل منهم هذا التاريخ الابداعي في صورته المتكاملة، اذا أخذنا باعتبار ابداعي ان ما يكتبه الشاعر وهو على مشارف السبعين لا يضيف دائماً ما يرجوه – او نرجوه لقراء - الى منجزه الشعري، بقدر ما يمثل تراكماً شعرياً.

غير ان فاضل العزاوي، الشاعر والمثقف الستيني، جانب آخر مهم يتصل بعمله الشعري اتصالاً مباشراً، ويمثله عمله الشعري في وجه من اجلى وجوهه، هو سيرته الشعرية - الثقافية التي لا أحسب ان شاعراً من جيله عاشها بالحيوية والعنف والصخب التي عاشها هو بها، واذا كان قد سجل المفاصل الاساسية منها في كتابه «الروح الحية: جيل الستينات في العراق» (1997)، فان من بين ما يؤخذ على هذا التسجيل أمرين:

أولهما طغيان الجانب السياسي على ما دوّن من «حقائق» يبرز الشاعر، العزاوي، من خلالها في صورة «البطل المنتصر» على رغم ما تضمنته المرحلة التي مرّ عليها، او توقف عندها، من «حالات الهزيمة» وقد عمد فيها الى الاختزال مرة، والى اسقاط ما ابتغى اسقاطه منها - من وجهة نظره وباملاءات موقفه - لئلا يبدو مهزوماً، او يحمل شيئاً من روح الهزيمة التي مني بها ومعظم جيله. والثاني انه انشغل عن الشعر بتجميل صورة البطل فيه، واضعاً الشعر والشاعر، في وضع اقرب ما يكون الى الهامشية، هو الذي الغى «الانتماء السياسي» من حياته، ضارباً عرض الزمن بـ «انتمائه القديم» الذي كفر به يوم خروجه من المعتقل، رافضاً اطروحاته الدوغماتية وفي الوقت نفسه رفض الوضع الآخر – الجديد، على رغم كونه ظل، لسنوات عضواً لا يستهان بموقعه في منظومته الاعلامية.

كانت القصيدة الاولى التي تعرفت الى فاضل العزاوي، من خلالها، العام 1964 بعنوان «نشيد وثني» كان قد كتبها في المعتقل، وخرجت من هناك، فجاءتنا بينما بقي هو حيث «يقيم» وأكثر ما استوقفني فيها المقطع الاخير منها... وفيه يقول مختتماً القصيدة: «ايا جيلي.. ايا جيلي / مسيح مات في المنفى شهيداً دون ترتيل/ مشيح آخرٌ آت... / فمن يحميه، يا جيلي؟». وظلت هذه القصيدة من بين قصائده الاثيرة لدي اذ تعرفت فيها نبض احساس بغربة روحية، ووعياً بتجربة المأساة التي عشناها جيلاً كان على الدوام في ازمة مع الواقع. وقد حزنت كثيراً يوم وجدته ابدل في هذه القصيدة الكثير من كلماتها وغير في سياقاتها الشعرية ليبعدها عن تلك الروح السيابية التي كانت واضحة فيها، جاعلاً اياها اقرب الى ما صار يكتبه من شعر بعد مغادرته المعتقل اوائل العام 1965، وقد ضمها، في صيغتها الجديدة، الى ديوانه الاول: «سلاماً ايتها الموجة... سلاماً ايها البحر» (1974).

ان خط الانعطاف الشعري، عند العزاوي سيكون ابتداء من العام 1968 حين بدأ حضوره الشعري، بصفته من ابرز شعراء «جيل الستينات» في العراق. ثم جاءت مجلة «الشعر 69» – التي تولى مهمة اصدارها مع مجايله الشاعر سامي مهدي (الذي سيغدو، منذ ثمانينات القرن الماضي، الد خصومه، بسبب ما جاء في كتابه «الموجة الصاخبة»، وأخذت شهرة فاضل العزاوي تتسع، واسمه يكبر. وكان هو، امام ذلك، يكتفي بالقراءات الشعرية في امسيات وملتقيات. اما النشر فكان قليلاً ومتفرقاً، حتى ان ديوانه الاول يوم صدر بدا اقرب الى المفاجأة بالنسبة الى كثيرين، قراء وشعراء ونقاداً، اذ وجدوه ادنى من شهرته، وأصغر من الحجم الذي احتازه اسمه. لذلك لم يحظ يومذاك، باهتمام نقدي كما كان يتوقع.

- قبل صدور هذا الديوان بسنوات، كان العزاوي بدأ ينشر افكاره الجديدة عن الشعر، وعن موقف الشاعر في عصر لم يقدم صورة ايجابية عنه. ثم جاءت قصائده الداعية الى «الخروج على العالم القديم»، وقد دعا الشعراء معه الى «نسفه بالقنابل». وكانت دعوته الى كتابة «القصيدة الميكانيكية» خطوة اولى منه على طريق «تغيير الشعر»، كما اراده. وبلغت به حالة الثقة بشعرة وبدوره الشعري، ان يكتب قصيدة أثار عنوانها الكثير من اللغط: «تعاليم ف. العزاوي الى العالم»!

ومن بعد هذا جاء «البيان الشعري» – الذي وقعه مع الشعراء: سامي مهدي، وخالد علي مصطفى، وفوزي كريم - ممثلاً خروجاً على كل ايديولوجيا، سياسية كانت ام ثقافية، معلناً عن دور جديد للشاعر في عالم لم يعد له، وان عليه ان يستعيده بالشعر، ومن خلال الشعر، مركزاً رؤيته التنظيرية على ما رأى فيه حينذاك ان القصيدة تبدأ «تعاملها من خلال افتراض جوهري ذي اهمية خاصة، هو ان العالم ناقص، وكذلك الموجودات والاشياء»، ويرى أن «ما دام كل شيء في حالة حركة مستمرة نحو الولادة والموت فإن من المستحيل البحث عن حقيقة ثابتة ضمن الزمان والمكان. وفي ظل هذه الرؤيا تصبح افعالنا سعياً نحو المطلق الذي لا يمكن الوصول اليه الا بالسقوط في فخ الموت من اجل ايقاف الحركة الناقصة المتقدمة نحو حركة اكثر امتلاءً والتي تعتبر خالقة الثقافة والبؤس والاحلام والمنازعات والحرية».

وفي الوقت الذي تساءل – في ذلك «البيان» – عما اذا كان يحق للقصيدة ان تتعامل مع المسائل اليومية للانسان، ذهب، عن يقين صدر عنه، الى ان «لا يوجد قانون في العالم كله يحرم الشاعر من استغلال علاقاته اليومية الانسانية»، مشدداً على فكرة كون الشاعر يأخذ «كل مادة شعره من العالم»، ومؤكداً، في الوقت ذاته، ان «الشاعر الحقيقي هو الذي يحاول الوصول الى الحقيقة»، زمن يجد فيه ان «حلم القصيدة في كل العصور هو حلم التجاوز وترسيخ وعي جديد لا يفرض تعاليم جديدة، وانما يجعلنا نعرف انفسنا والعالم الذي نعيش فيه».

الا انه، من بعد هذا كله، أعلن الخروج على جيله، معززاً فردانيته الشعرية، في الرؤية والموقف، وهو الذي وجد، بحسب ما جاء في الصفحة الاخيرة من كتابه «الروح الحية»، ان «الشاعر (الكاتب) الحقيقي لا ينتمي الى جيله الا ليقتله في النهاية، بعد ان يكون امتلك افضل ما عنده، لان كل جيل، اي جيل، لا يمكن ان يكون اكثر من جسر في طريق عابر الجسور»، حاثاً الشاعر على ألاّ ينسى «للحظة واحدة ان الكتابة مصباحه الذي يحمله بيده في ليل الغابة، وان عليه ان يقطع الطريق وحيداً».