Sunday 1st of November 2026
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    03-Mar-2006

الإنسان والمكان والأسطورة في فلسفة إبراهيم الكوني الروائية

الرأي -

يعتبر الروائي الليبي ابراهيم الكوني (1949)، واحدا من ابرز واهم الروائيين العرب المعاصرين، وذلك لتميزه وربما تفرده في تصوير عالم الصحراء الليبية - الافريقية، والتي تمتد سهوبها غربا نحو الجزائر والمغرب وموريتانيا، وشرقا حتى تتصل بالصحراء الغربية في مصر، وجنوبا حتى قلب القارة الافريقية لقد اختار الكوني عالمه الروائي السردي الملحمي في هذه المنطقة التي ظلت لآلاف السنين موطنا لقبائل الطوارق التي تتداخل حدودها وتتلاشى في تلك الصحراء الشاسعة، الامر الذي خلق تراثا غنيا وحيا ومتنوعا من الخبرات الانسانية والثقافية لدى ابناء قبائل الطوارق بدءا من الاسلام الذي اعتنقوه ومرورا بكتلة من العقائد البدائية والوثنية، والموروثات الاسطورية والخرافية التي عمقت جذورها في التربة الثقافية والمخيال الشعبي الجمعي لمجتمع الطوارق، وشكلت بالتالي خصائصه النفسية والفكرية وتصوراته الاجتماعية والوجودية بشكل عام.

ان الكوني تعايش مع الصحراء وخبرها عبر حلقتين متصلتين، فهي المكان الذي عاش فيه شطرا من حياته حيث تشكل وجدانه الثقافي والنفسي والفكري، وهي ايضا العالم الذي نذر له اعماله الروائية، فانكب على تصوير ذلك العالم المدهش عبر سردياته المتواصلة، وأخذ يوحد الطبيعة مع الانسان والحيوان في عالم واحد ومكان واحد هو عالم الصحراء.

نظر الكوني الى العالم الطوارقي نظرة معبأة بالقداسة، وكأنه الفردوس المفقود، ولذا فهو يروى كل شيء فيه من حكايات واساطير وخرافات ، ولا ينسى ان يسلط الضوء على منظومة الاخلاقيات والفضائل التي يتسم بها ابناء الصحراء من الطوارق، خاصة في تصوير جدلية العلاقة مع الحيوانات التي تتسم بالتوحد مع الكائنات المحيطة، فالعلاقة مع كل يحيط به علاقة عضوية تستغرق حياة الانسان الصحراوي كاملة، كما انه كان مسكونا بتصوير العالم الوطني التحرري للطوارق من خلال مقاومتهم للغزاة المستعمرين من ايطاليين وفرنسيين.

ان ما يميز اعمال ابراهيم الكوني الروائية هو انها قامت على مجموعة من العناصر المحدودة في عالم الصحراء، بما فيها من امتداد وقسوة وانفتاح على جوهر الكون والوجود، حيث تدور اغلب رواياته حول تصوير جوهر العلاقة التي تربط الانسان بالطبيعة الصحراوية ومفرداتها وعالمها المحكوم بالحتمية والقدر، في هذا العالم تبدو العناصر والعلاقات التي تربط بينها قارة وثابتة لا يأتي عليها التغيير، ويحكم غالبا على الشخصية المحورية بالموت كأضحية قربانية من شأنها أن تجلب الخصب والخير والنماء الى الطبيعة الصحراوية القاحلة، فينينهمر المطر الغزير، وتتصالح الصحراء الجبلية مع الصحراء الرملية، كما تقول الاسطورة التي يذكرها في روايته «نزيف الحجر».

وفي هذا السياق تشكل اعمال الكوني كما في «نزيف الحجر» و«التبر» عالما روائيا يصف العلاقة المدهشة التي تقوم بين انسان وحيوان الصحراء، في جو اسطوري واضح. فالاسطورة تفسر الحكاية السردية كلها تقريبا. ولعل عنصر الادهاش في اعمال الكوني الروائية هو هذه اللعبة الاسطورية - القصصية التي يقيمها ابراهيم الكوني، حيث يشكل التضمين والاقتباس: من اساطير وتأملات فلسفية ووجودية وتأملات صوفية ايضا مفتاحا تحليليا اساسيا، اذ يصعب فهم فلسفة اعمال الكوني الروائية دون النظر الى علاقة التواشج التي تقوم بين الحكايات التي يرويها والنصوص التي يقتبسها، ويفتتح بها فصول رواياته. ويلمس القارىء تقاطع حكايات واساطير مستدعاة من ثقافات مختلفة فرعونية وفينيقية ورافدينية ويونانية.

ان الثنائية المشهورة في اعمال الكوني «نزيف الحجر» و«التبر» تلخص رؤية الكوني الوجودية، عبر سرده للعلاقة التي تدور بين الانسان والحيوان، وتجليها في عالم الصحراء وفضائه المنفتح على الأفق والمجهول، حيث ان هذه العلاقة تمثل قمة الصفاء والاخلاص المدهش، والجذور الضاربة في الطبيعة الخيرة للموجودات، وهذه العلاقة عند الكوني بمثابة تغيير بالرمز عن جوهر التجربة الانسانية، حيث يعمل المكان - المسرح الصحراوي الفقير بندرته وعناصره القليلة ومحدودية ما يخاض من صراع من اجله على الكشف بصورة مدوية عن جوهر الطبائع والخصال البشرية، وعن تعالق الاساطير والخرافات والموجودات الوثنية الصحراوية التي تدخل في نسيج حياة اهل الصحراء وتشكل ثقافتهم وعقولهم وتنمط علاقتهم بالمكان وما يحتويه، فالمكان - الصحراء هو وحده الذي يجعل الوجود وحدة واحدة، حيث تغتسل الروح فيه وتتطهر لتتمكن من الاتحاد بالخلاء الابدي. وهو هنا عالم الصحراء الوحيد الذي يبقى عند انسان الكوني وشخصياته الروائية.

استطاع الكوني في اعماله الروائية ان يبقى هو نفسه الراوي - الحاكي للأحداث، لكي يتمكن من تقديم رؤاه وافكاره عبر ابطاله وشخوصه، ولذا فان اعمال الكوني جميعها تقريبا تفصح عن حكمة او مأثرة او مقولة سطرتها اخلاق الصحراويين ونبالتهم، حيث نجد الكثير من التأملات الفلسفية والوجودية المتناثرة هنا وهناك، مما يدلل على عمق رؤية الكاتب الذي دمج كل ما يرتبط بالحوادث والتفاصيل بأفكاره الفلسفية وتأثره بجوانب المعرفة الانسانية الشاملة، الامر الذي اعطى أعماله الكثير من وهجها الانساني.

ان هذا الوهج الانساني لدى الكوني كان لصيقا دائما بالفرد - الانسان وهو يواجه مصائره ويبني علاقاته مع الاشياء، وهو بذلك يتجنب الجانب الاجتماعي في رواياته، ولم يهتم كثيرا بالعلائق الاجتماعية التي اهتم بها الكثيرون من كتاب الرواية في العالم من امثال الكاتب الروسي ديستويفسكي ونجيب محفوظ، بقدر ما اهتم بتقديم جوانب من التحليل النفسي العمق لحياة ابطاله الذين يواجهون مشاكلهم واقدارهم لوحدهم في تلك الصحراء القاحلة الواسعة. وهذا ليس بغريب فالكوني يمثل واحدا من الروائيين الذي اقاموا اعمالهم الادبية على عالم الصحراء، على الرغم من ان الرواية تعتبر فن الطبقة البرجوازية من ساكني المدن في الاغلب وفقا لسيرورة نشأة الرواية الاوروبية، وهو ما اختطته الرواية العربية خلال نشأتها وتطورها خاصة في مصر وسوريا، وكما تجلت مثلا في اعمال نجيب محفوظ وحنا مينة والاجيال اللاحقة.

مع كل هذا فان ما قدمه الكوني في اعماله الروائية يمثل العناصر الاولى لدراسة «انثروبولوجيا الصحراء»، فهو لم يترك عنصرا الا وسجله من تاريخ جماعة من البشر توارثت المكان والثقافة والرؤية الكونية وانماط العيش وجدت انها مقبلة على التلاشي والاندثار والضياع بفعل الزحف المديني ومشروعات التحديث والتغيير التي تقوم بها الدولة لسكان الصحراء.

لقد استطاع الكوني في اعمال مثل «نزيف الحجر» و«ثنائية المجوس» ان يتمثل الاخلاقي والفلسفي والاسطوري والديني والصوفي بنزعة وجودية بارزة. فوحد بين ما هو واقعي وما هو متخيل او اسطوري وما هو مثالي او يوتوبي، «فواو» هي تلك الواحة الاسطورة التي وعد الله بها عباده الصالحين، او القلة القليلة من الناس، فهي بمثابة الحلم وسط ذلك العالم المجدب. او هي العقيدة الخلاصية وسط ذلك الجدب النهائي والخواء الروحي.

والمؤكد ان ابراهيم الكوني في اعماله المتوالية قد نجح بشكل جيد ومتميز في بناء رواية «المجوس» على تلك الاسطورة «واو» التي تنتشر في اذهان ومخيلة ابناء الطوارق في الصحراء الافريقية، مستفيدا من الادبيات الثقافية جميعها، فاقتبس من نصوص العهد القديم والجديد والقرآن والاساطير والحكايات الخرافية المحلية، مع استفادته الحديثة من جيمس فريزر وليفي شتراوس وايرك فروم، وحتى المتصوفة الاسلاميين، ولعل الكوني في كل ذلك كان يحاول ان يحل شفرة لغز الوجود والبقاء لدى الانسان الذي خبره - انسان الصحراء - وهو ما يؤكد ان الروائي ابراهيم الكوني كاتب كبير وصاحب موهبة لا يمكن الاستهانة بها، حمل فوق كاهله الكثير من الهموم الانسانية التي اثرت اعماله الروائية بتقديم ذلك العالم المدهش والمتفرد في اعماله، التي لا يمكن ان يراها القارىء او الناقد الا في حالة تكامل تام مع بعضها فهي تحمل نوعا من الخطاب الفني والفكري الواحد الذي يميزه ويميز عالمه.

لقد تأكد مضمون الهوية للرواية الليبية من خلال اعمال الكوني، كما انها اكدت حضورها العربي والعالمي. ولكن المفارقة هي ان روايات الكوني لا ترصد البيئة الليبية عامة ولا تتناول هموم الواقع الاجتماعي الليبي، بل هي ترصد عالما جزئيا هو عالم الصحراء وانسان الصحراء في ليبيا وغيرها حيث يتواجد ابناء الطوارق، لكن العالم اصبح يعرف الرواية الليبية عن طريق روايات الكوني، التي استطاعت وبابداع واضح صياغة مفردات مجتمع الطوارق الغني برؤاه ومعتقداته، غير استعارة كل الاساطير الممكنة التي كساها رمال الصحراء وروح ساكنيها وعقولهم.

لقد شكلت الاسطورة فضاء الادب الحديث باجناسه المختلفة، وقد وجد هناك الكثير من النقاد المحدثين الذين يرون ان من جماليات الرواية الحديثة ان تبنى بناء اسطوريا، ومع اعمال ابراهيم الكوني يتخلق عالم اسطوري يمتلك فضاءين اسطوريين: فضاء قام به الراوي وفضاء آخر قام به الروائي نفسه.. وتتمثل المرجعيات الثقافية الاسطورية عند الكوني في بعدين:

الاول: قيم وافكار اسطورية مأخوذة من افواه الشخوص التي تلخص مجمل الثقافة السائدة لدى قبائل الطوارق.

الثاني: مرجعيات اسطورية تشتمل على نوعين:

1- مقولات الناقوس المفقود.

2- مقولات الاسلاف، وهي جممل التجارب والمثل التي تركها الاجداد والتي جاءت مع الناموس اما مفسرة له واما مغطية لمساحات لم تطأها سطوته.

3- اساطير سائدة وهي تلك المجموعة من الاساطير التي اختيرت ضمن مادة السرد، لتشكل عبر سرد الراوي المؤسس للعمل الروائي البنية التحتية لحركة الحدث وما يميز حقيقة تقديم الاساطير في هذه الرواية انها لم تقدم كمادة فردية مثل ما قدمت داخل الأعمال الروائية الاخرى.

تأثر الكوني في تجربته الروائية الطويلة بالموروث الشعبي الليبي من جهة، المدون بلغة الطوارق على وجه التحديد او الحكايات الشفاهية غير المدونة، وتأثر من جهة اخرى بالقصص الواردة في القرآن الكريم، والاقوال المأثورة في الانجيل وسفر التكوين، والنظرة الصوفية الاسلامية من الطرق التيجانية والقادرية وكذلك باعمال المفكرين والفلاسفة والروائيين العالميين من امثال هوفمان وغوغول وديستويفسكي وموباسان وغيرهم. وقد شكل ذلك كله انشغال الكاتب بالهم الانساني بصورة عامة وسعيه الدؤوب نحو الحرية والانعتاق من القيود.

ان اعمال الكوني الابداعية لا تكاد تخرج عن ثالوث يشكل مرتكزا اساسيا في رؤيته للعالم، هذا الثالوث المقدس هو نفسه ما قدمته اليه الطبيعة الصحراوية المحتفى بها دائما عند الكوني: الله، وحدة الكائنات والحرية، فكل رواياته ومجاميعه القصصية تدور حول تفكيك الغاز هذا السر الكبير: ذلكم هو: الله - وحدة الكائنات - الحرية.

تلاقحت الرؤى السردية الكونية مع الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة في المجتمع الصحراوي، وذلك عبر شبكة متصلة من العلاقات المستقرة في ذلك المجتمع الذي اصبحت له هوية خاصة مميزة، ذات جذور عميقة في تاريخ الصحراء الكبرى.

ومن هنا فقد انحصر المسرح الرئيسي لروايات الكوني في ذلك العالم الروائي المتجسد مكانيا في الصحراء الكبرى وانسانيا بمجتمع الطوارق الذي يسكن هذه الصحراء الممتدة ويمارس بحثه الدائب عن هويته الذاتية، وعن عالمه الذي يحلم به عبر هذه الطبيعة القاسية.

يشكل الايمان بوحدة الكائنات مرتكزا رئيسيا للبناء الفكري والروائي للكاتب ابراهيم الكوني، حيث نجد ان هذه الفكرة المتكررة لديه واضحة المعالم في اكثر من عمل روائي صنعه، فرواية «نزيف الحجر» تمثل انطلاقة هامة لهذه الفكرة حيث يتوحد البطل «اسوف» مع الصخور، وفي رواية «التبر» نجد ان «اوخيد» يرتبط او يتوحد مع «الابلق» ذلك المهري الاعجم، ارتباطا روحيا وجسديا يتجاوز في حدوده العلاقة التقليدية بين الانسان والحيوان، ولذلك يستوي عند الكوني الانسان والحيوان والجماد، وفق نزعة وحدة الكائنات البارزة عنده.

وفي رواية «السحرة» يعاود الكوني تجسيد الفكرة ذاتها ويلح عليها: «لقد تلقى الالهام الذي وهبه تلك العبقرية الفريدة. عبقرية الاقتران والاتحاد والتلاشي والميلاد، اختراق الاشياء، الاتحاد بالكائنات، استلقى على ظهره وتأمل السماء الزرقاء، فوجد انه ليس جزءا من السماء، ولكنه هو السماء. وجد انه مسكون بالارض التي يلتقص بها، والارض ايضا تسكنه، ادرك بحس الطفولة المبهم كيف يسير الانسان الى الاشياء، وكيف تسير اليه الاشياء، وكيف تسري فيه الاشياء».

* باحث اردني