Sunday 1st of November 2026
 

عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 

مواقع التواصل الاجتماعي

 
 
  • التاريخ
    25-Dec-2009

سميح القاسم: إسرائيل وجدت لإغاظتي

الغد -

صاحب "خذلتني الصحارى" خلال زيارته : أنا ومحمود درويش لم نكن ملائكة كنا نختلف في كل شيء وقد نتنافس على امرأة

أعدَّ الحوار للنشر: نادر رنتيسي

عمّان - مرة جديدة يدخلُ الشاعر العربي سميح القاسم معركة أخرى ضدَّ اتهامات تحاول النيل من وطنيته، وتشكك في مواقفه السياسية والثقافية الرافضة للتطبيع، والمتمسكة بالثوابت.

بيد أن صاحب "دمي على كفِّي"، يعترض، في حواره مع "الغد"، على تسمية المواجهة بـ "المعركة"، ذاهبا إلى أن "خصومه" أشخاص "نكرات ومرضى"، تقوم ثقافتهم على "التزوير والكذب".

وكان القاسم تعرَّض في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إلى حملة إعلامية اتهمته بـ "التطبيع"، استنادا إلى مشاركته في ندوة أدبية سياسية في ذكرى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين.

ويؤكد القاسم، في أول حوار صحافي عقب الحملة عليه، أن موقفه معروف من التطبيع. قائلا: "لو طبَّع كل العرب، يبقى شخص واحد في الجليل اسمه سميح القاسم لن يطبع، وذلك لأسباب شخصية جدا".

وذهب في كثير من المجاز حين رأى أن "إسرائيل لم تنشأ لاحتلال فلسطين وتشريد شعبها أو الاعتداء على أي بلد عربي؛ وإنما أقيمت لهدف واحد فقط، هو إغاظة سميح القاسم"!

وتعرَّض صاحب "سأخرج من صورتي ذات يوم"، إلى حملة مشابهة قبل نحو عشرة أعوام، وهو يجد أن مروجي الاتهامات "هم أنفسهم الذين ساهموا في قتل محمود درويش". مضيفا:"ألم يكتبوا حين زار الشاعر الراحل حيفا (سجل أنا عربي وسعر بطاقتي خمسون شيقل)"!

وأخذ القاسم على البعض "التعاطي" مع تلك الاتهمات بالنقاش. قائلا:"أنتم تعرفونني منذ خمسين عاما، وتعرفون أني اعتقلت ودخلتُ سجون اسرائيل في وقت لم تكن فيه منظمة التحرير قد وجدت بعد"، معربا عن استغرابه، وهو الذي قدم نفسه منذ نصف قرن مشروع شهادة، بأن يتم القول إنه "مطبع ومتأسرل".

الحوار الذي شارك فيه الزملاء: موفق ملكاوي، سليمان قبيلات، زياد العناني، غازي الذيبة، محمد فرحان وأمجد العبسي، ذهب إلى منطقة الشعر، حيث اعتبر القاسم أن "القصيدة العربية سيدة القصائد في كل العصور".

وتطرَّق صاحب "خذلتني الصحارى" إلى علاقته مع "رفيق دربه"، الشاعر الراحل محمود درويش، موضحا أنه ضد الوهم أنهما كانا "مثل زوجي حمام". وتابع "كنا نتناقش ونختلف، ونحتد أيضا في الحديث السياسي والثقافي والاجتماعي كباقي البشر".

وكان رئيس التحرير الزميل موسى برهومة قدَّم القاسم بوصفه "رمزا من رموز الشعر العربي، ومناضلا بقي كالسنديانة ثابتا على مواقفه وأرضه، مقارعا أكثر عدو عرفته البشرية شراسة وبشاعة.

والقاسم أحد أشهر الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، وهو مؤسس صحيفة "كل العرب"، وعضو سابق في الحزب الشيوعي.

ولد لعائلة عربية فلسطينية درزية في مدينة الزرقاء الأردنية العام 1939، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب لعمله الأدبي.

صدَرتْ في الوطن العربي وفي العالم عدّة كُتب ودراسات نقدية، تناولَت أعمال الشاعر وسيرته الأدبية وإنجازاته وإضافاته الخاصة والمتميّزة، شكلاً ومضموناً، ليصبح كما ترى الشاعرة والباحثة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، الشاعر الوحيد الذي تظهر في أعماله ملامح ما بعد الحداثة في الشّعر العربي.

وجاء في تقديم طبعة القدس لأعماله الناجزة عن دار "الهدى" (الطبعة الأولى سنة 1991) ثم عن دار "الجيل" البيروتية و"دار سعاد الصباح" القاهرية: (شاعرنا الكبير سميح القاسم استحقَّ عن جدارة تامة ما أُطلق عليه من نعوت وألقاب وفاز به من جوائز عربية وعالمية، فهو "شاعر المقاومة الفلسطينية" وهو "شاعر القومية العربية" وهو "الشاعر العملاق" كما يراه الناقد اللبناني محمد دكروب، والشاعر النبوئي، كما كتَب المرحوم الدكتور إميل توما، وهو "شاعر الغضب الثوري" على حد تعبير الناقد المصري رجاء النقاش، وهو "شاعر الملاحم"، و"شاعر المواقف الدرامية" و"شاعر الصراع" كما يقول الدكتور عبدالرحمن ياغي، وهو "مارد سُجن في قمقم" كما يقول الدكتور ميشال سليمان، وشاعر "البناء الأوركسترالي للقصيدة" على حد تعبير شوقي خميس.

وحصل القاسم على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدّة مؤسسات. فنال جائزة "غار الشعر" من إسبانيا، وجائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبداللطيف اللعبي، كما حصل على جائزة "البابطين"،

ونال مرّتين "وسام القدس للثقافة" من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما حصل على جائزة "نجيب محفوظ" من مصر، وجائزة "السلام" من واحة السلام، وجائزة "الإبداع الفلسطينية".

* تجدَّد مؤخرا السجال حول سميح القاسم، ومحاولة التشكيك في وطنيته، حول ما أشيع عن مشاركتك في ندوة لإحياء ذكرى الرئيس الإسرائيلي الراحل إسحق رابين. فهل هي معركة مفتوحة تهدأ أحيانا وتشتعل أخرى، خصوصا إذا ما تذكرنا الضجة الكبيرة قبل عشرة أعوام واعتبار من يتعامل معك مطبِّعا؟

ـ أولا تعبير المعركة أعتبره مهينا؛ فأنا يُمكنُ أن أقبل بمعركة مع الولايات المتحدة الأميركية، أو مع الصين، أو حتى مع إسرائيل سأتواضع وأقبل. أما مع أشخاص نكرات ومرضى ودجالين وكذابين ومزورين، لا توجد حرب؛ إنما هناك أناس مهنتم وثقافتهم الكذب والتزوير، وبهذا المعنى لا يمكن أن أخوض حربا بهذا الاتجاه.

لكن من أجل القرّاء، ومن أجل الحقيقة، فأقول إن موقفي معروف من التطبيع؛ فلو طبَّع كل العرب، يبقى شخص واحد في الجليل اسمه سميح القاسم لن يطبع، وذلك لأسباب شخصية جدا، فقد قلتُ سابقا وما زلت عند قولي: إن إسرائيل لم تنشأ لاحتلال فلسطين وتشريد شعبها أو الاعتداء على أي بلد عربي؛ وإنما أقيمت لهدف واحد فقط، هو إغاظة سميح القاسم!

دعونا نكن أكثر صراحة؛ لو أردنا التطبيع، فإسرائيل لا تريد التطبيع مع العرب.. أخرجوا من هذا الوهم. من سنوات كان هناك حوار مع أرييل شارون سأله صحافي في صحيفة هآرتس: لماذا أنت ضد السلام؟ فأجاب ببساطة: أخشى أن يأتي يوم فلا أجد كرسي البحر على شاطئ نتانيا، لأن العرب سيملؤون الشاطئ.

اسرائيل لا تريد التطبيع، لكن هناك مؤسسات عربية من المحيط إلى الخليج تريد التطبيع. هم أحرار، لكنني لا أريد التطبيع، وموقفي هذا ليس لإرضائكم، وإنما هو قضية شخصية لدي، فإسرائيل قصفت طفولتي، وأنا لا أغفر أبدا لمن يقصف طفولتي. أما إذا خرج في كل يوم "ولد سائب" يتطاول على سميح القاسم، وتصدقونه فهذه مصيبة؛ كيف تصدِّقون أن سميح القاسم يرثي رابين، وفي شعركم، ولغتكم، وأدبكم ذكر رابين مرة واحدة في قصيدتي "قد نهمل ولكن لن نهمل" العام 1976:

اسمع يا يوشع

أوقفت الشمس على أسوار الراحل

أرضيت الرب

لا نعلم

لكن نعلم أن الشمس تسير على أعناق الشهداء

من بحر البقر

إلى سخنين

ومن المغرب

إلى فلسطين فاسمع يا يوشع

واسمع يا رابين"

* ولكن ما حقيقة حيثيات الندوة، خصوصا أنه أثير لغط كثير حولها؟

ـ ما حدث هو كالتالي، هناك مجموعة من الشعراء العرب واليهود، تقدميين وديمقراطيين وليبراليين ضد الاحتلال والعنصرية، أقاموا مهرجانا شعريا في يافا، وفي إطار ذلك المهرجان أقيمت ندوة في ذكرى اغتيال اسحاق رابين، كعمل سياسي؛ فاغتياله له خلفية سياسية بسبب توجهه الذي لم يُرض اليمين الفاشي، وفي هذا المنحى أقيمت الندوة بعنوان "الأدب والسياسة".

دعيتُ للندوة وكانت معي سيدة اسرائيلية اسمها شولاميت ألوني، وهي وزيرة سابقة وعضو كنيست، وشخصية يسارية، معروفة بمواقفها مع الشعب الفلسطيني، إضافة إلى شاعر إسرائيلي من اليمين. كانت ندوة رائعة جدا، كسبتُ من خلالها الجمهور الذي كان في معظمه من اليهود، ومسكته بقبضة يدي، وكانت حجتي قوية، وقلت لهم إنَّ بلادكم قتلت أنبياء، وأجهضت مشاريع السلام التي قدمها الفلسطينيون والعرب والعالم، وسياسة بلادكم تحولكم من شعب إلى قطيع؛ فماذا تريدون أن أقول أكثر من ذلك لجمهور يهودي.

لكن ما أستهجنه أن تتمَّ قراءة مشاركتي هذه، بعد ما عانيته من سفر وجهد وسماع كلام قاس وتهديد من بعض اليهود اليمينيين المتطرفين، على أنها تطبيع؛ فهذا عيب وإشاعات ضدي لا أستبعد أن يقفَ وراءها الشاباك، وتتقنَّع خلف مجابهة التطبيع. أكررها ألف مرّة: لن أطبع، ليس لأنني أطلب مكافأة أو شهادة حسن سلوك، ولكنها أمانة للحقيقة والتاريخ.

* لكن ألا تعتقد أن هكذا مشاركة تضعك في دائرة الالتباس، خصوصا وأنَّ رابين ليس إلا رئيس حكومة إسرائيلية شاركت في قتل الفلسطينيين. وأنت من خمسين عاما تقارع هذا الخصم، ومع ذلك أنت تجد الأثر الذي سببه في الجمهور الإسرائيلي محدودا كونه يستند إلى عقلية توراتية، وصناديق الاقتراع عادة ما تفرز الأكثر تطرفا؛ إذن فالأثر في هذا الوعي هش. وبالمحصلة ما الذي يدفع شاعرا مثلك يعتبر رمزا أن يكون بهذه المنطقة الرمادية الغامضة؟

ـ ما الذي يدفعني هو مسؤوليتي، أنا مسؤول عن شعب، وهي مسؤولية أكبر من المسؤولية الرسمية والسياسية، وهي تفرض علي أن أكون جاهزا دائما للحوار مع العدو قبل الصديق. حاورتُ كهانا وهو ألد أعداء الشعب الفلسطيني، في بث مباشر، وأعتقد أن حواري معه أنقذ عشرة أشخاص، ولن أقول أكثر من مئات الذين استمعوا إلى الحوار، رغم أن نصف الجمهور اصطف إلى جانبي وتعاطف معي ووقف ضده، وأعتقد أنني إنْ تمكنتُ من إنقاذ عقل واحد من أثر اليمين الفاشي العنصري، وكسبت يدا واحدة إلى جانب قضيتي، فهذا انتصار كبير في تصوري.

لا أطلب مقابل ذلك تمجيدا، لكن على الأقل لا يكون هناك تماد على وجعي. كنت أفضل بدل السفر في طقس بارد من الرامة إلى يافا، أن أشارك في احتفال بتحرير القدس!

عليكم أن تدركوا أن هناك واقعا سياسيا أعيش فيه مع مليون وربع عربي فلسطيني، ثمة كذلك من يتهمهم بالتطبيع و"الأسرلة"، وهذا كلام فارغ، فلم يتأسرلوا ولم يطبعوا، وهم الخط الأمامي للدفاع عن الأمة العربية، وقادة اسرائيل مرعوبون منهم أكثر من خوفهم من الجيوش العربية؛ ففي كل عام ينظمون مؤتمرا دوليا عن الخطر الديمغرافي، والسرطان في جسد الدولة، ألا تذكرون غولدا مائير التي كانت تقول لا أنام كلما سمعت بميلاد طفل عربي جديد. نحن بالمحصلة عقدة اسرائيل.

أعود إلى قضيتي، فأنتم تعرفونني منذ خميسن عاما، وتعرفون أنني اعتقلت ودخلت سجون اسرائيل في وقت لم تكن فيه منظمة التحرير قد وجدت بعد؛ فهل هذا الإنسان الذي منذ نصف قرن قدم نفسه مشروع شهادة، يصبح في لحظة مطبعا ومتأسرلا؟

الذين يروجون لهذه الاتهامات هم أنفسهم ساهموا في قتل محمود درويش؛ ألم يكتبوا حين زار الشاعر الراحل حيفا" سجل أنا عربي وسعر بطاقتي خمسون شيقل"!

* ماذا استفاد الشعب الفلسطيني من هذه الزيارة وكذلك ماذا استفاد الشعب الإسرائيلي؟

ـ لست معنيا بتقدير مدى استفادة الشعب الإسرائيلي، لكن الشعب الفلسطيني يستفيد من كل مشاركة في كل حوار، خصوصا إذا كان المشارك صاحب حجة ولديه دليل وبرهان، وقادرا على إقناع ولو فرد واحد بسلامة الموقف الفلسطيني الذي أمثله بشرف وكرامة. أشارك في ندوات في تل أبيب والقدس وواشنطن ومدريد وكل أرجاء العالم، أحاور أكاديميين وعلماء ورجال دين ورؤساء وملوك، وأعتبر نفسي مسؤولا عن صورة شعبي في العالم، ودافعت عن صورة الإسلام كذلك في العالم، وحطم زجاج سيارتي في نيويورك، وهددت بالقتل أكثر مرة دفاعا عن الإسلام، وهذا واجبي ولا أريد توكيلا من الأزهر أو النجف، مسؤوليتي الحضارية والوطنية تحتم علي الدفاع عن هذه الأمة، وعلى استعداد لمحاورة الشيطان في سبيل ذلك.

* ليس هناك بعد حصانة لأي مثقف ينادي إلى الحوار، ولنذكر مثلا ما سمي "جماعة كوبنهاغن"، والاتهامات التي واجهتها. هل من الممكن أن تخرج مقاربة عربية تتبنى الحوار مع الآخر من موقع الحصانة، ومن دون مغامرة في إمكانية التخوين؟

ـ لقد دعيت لكوبنهاغن ورفضت لأن مائدة الحوار لم يضعها الفلسطينيون ولا الإسرائيليون. لكنني لم أخوِّن أحدا من الذين وقعوا على وثيقة كوبنهاغن، اعتبرتهم وطنيين لديهم وجهة نظر قد نلتقي معها أو تختلف، لكن لا يعقل أن يكون التكفير والتخوين أسلوبا يوميا في حياتنا. فـ "أنا على صواب يحتمل الخطأ، وأنت على خطأ يحتمل الصواب"، وأقول الآن إذا كنت على حق لا أخاف الحوار، ووعيت الحق لا أخاف الحوار، إذا الحوار يؤتي ثمرة أحاول أن أبذل ما أستطيع.

كنتَ مع الشاعر الراحل محمود درويش رمزين من رموز الشعر العربي عموما. ورأينا وقع غيابه عليك من خلال مشاركتكَ في جنازته، ثم لمسناه في قصيدتك المؤثرة جدا بعد وفاته. الآن كيف تستشعر غيابه وهو توأمك الروحي؟

تثير لدي وفاة صديقي محمود أكثر من قضية؛ أولا- أود الإيضاح، ليس سرا أنني كنت أقرب الناس إلى محمود درويش، وليس سرا كذلك أنه كان أقرب الناس إلى قلبي. لكنني ضد الوهم أننا كنا مثل زوجي حمام، على العكس كنا نتناقش ونختلف، ونحتد أيضا في الحديث السياسي والثقافي والاجتماعي كباقي البشر، لكن أتحدى أنْ يجد أي إنسان في العالم ما يشير إلى أي إساة موجهة مني ضده أو العكس.

ثانيا - وأرجو ألا تعتبروا كلامي هذا شيئا من الرومانسية - فأنا إلى الآن لستُ مقتنعا أن محمود درويش قد مات. صدقوني، ففي ليلة رأس السنة الأخيرة، وعادة ما كان يحتفل محمود معنا في كل ليلة رأس سنة، مسكتُ "الموبايل" لأطلبه، فرد الهاتف: الرقم المطلوب غير متوفر حاليا يرجى الاتصال في وقت لاحق!

ثالثا- أود أن أقول شيئا عمن أسميهم "عجائز زوربا" الذين راحوا يخترعون صداقة مع الشاعر الراحل، وكلنا نعرف أن درويش لم يكن لديه أصدقاء، فقد كان رجلا انطوائيا ومنعزلا، وموصدا على ذاته وأعرف السبب. أستطيع أن أقول أنه لم يكن ينفتح على أحد إنسانيا سواي، لكنني أؤكد لم نكن ملائكة، بل بشر نختلف في كل شيء، وقد نتنافس على امرأة. بالطبع كان هناك أشياء مشتركة، وقد يحدث أن يلتبس على قراء قصائد إن كانت لي أو له.

في المحصلة، أنجزنا حالة استثنائية في الحياة الثقافية العربية والاجتماعية، لا أعتقد أنني بحاجة إلى أن أنافسه على موقعه. لدينا مواقعنا التي بنيناها بتعبنا وقصيدتنا ولم يكن وراءنا دولة أو طائفة أو عشيرة. وحين كتب عنا أننا شعراء المقاومة تفاجأنا وضحكنا، فقد كنا نعبر عن أنفسنا ولم نكن قررنا أن نكون شعراء مقاومة. كانت الأمور أبسط وعفوية أكثر.

* هل تلتقي تجربة محمود درويش وسميح القاسم على مساحة واحدة من الحداثة؟

الاختلاف بطبيعة الشاعرين، نحن من طبيعتين مختلفتين، بالنسبة لي أميل إلى الالتصاق بالحدث، وملتصق أكثر بالأرض والمنشور والصدام. وفي سياق الحديث بيني وبين درويش أرفض مقولة سيئة للغاية تفيد أن خروج محمود درويش من الأرض المحتلة ساعده في تطوير قصيدته واكتشاف الحداثة العربية. هذا كلام خطأ وخطير في نفس الوقت؛ فتطوير القصيدة يكون في كل مكان في العالم بالاستناد إلى طاقة الشاعر وقدراته، فهي نظرية خاطئة بالأساس.

ثانيا من يقول إن بيروت والقاهرة أكثر حداثة من حيفا، وهي الحياة فيها تكاد تكون أكثر حداثة من لندن. أتصدقون أنني قرأت "مائة عام من العزلة"، بالعبرية قبل صدورها بالعربية بسنوات، وكذلك قرأت لوركا ونيرودا بالعبري، وهذا لم يكن خياري إنما فرض، ما اخترته هو البقاء في وطني على أن أهاجر، لهذا لم يكن تعلمنا للعبرية خيارا. ثمَّ منْ قالَ إن تعلم العبرية أضرَّ بنا، على العكس تماما كان مكسبا كبيرا، بالنسبة لي فقد قرأتُ التوراة بالعبرية وكذلك قرأت أدبهم وثقافتهم، ولست نادما. باختصار آن الأوان أنْ نكفَّ عن المناكفات الصغيرة.

* سميح القاسم كمثقف كبير، كيف وجدت ما ترجم من الأدب العالمي إلى العبرية، مقارنة بما ترجم إلى العربية، أيهما أجمل..؟

ـ دعوني أقول، من دون أنانية وذاتية، القصيدة العربية سيدة القصائد في كل العصور، والمتنبي أشعر من شكسبير الذي هو مسرحي عظيم ومسرحه معجزة، لكن شاعرية المتنبي ليست موجودة في أي شاعر آخر. امرؤ القيس كذلك كتب شعرا منذ ألفي سنة لا شبيه له إلى الآن في أي لغة.

لا أنسى لقاء مع الشاعر الفرنسي لويس أراغون قال لي "أستغرب منكم أيها الشعراء العرب تريدون أن تشبوهنني، وأنتم أجمل مني، والشعر العربي أجمل من شعري، وأنا متأثر به". لماذا تستغربون أن العالم يحب القصيدة العربية، والثقافة العربية، ربما تكون السيارة اليابانية أفضل من السيارة الصومالية، والكومبيوتر الفرنسي ربما يكون متفوقا على كومبيوتر جيبوتي، والطائرة الأميركية قد تكون أفضل من الطائرة المصرية؛ لكن لا القصيدة الأوروبية ولا الأميركية ولا اليابانية أفضل أبدا من القصيدة العربية.

* الأسبوع الماضي منعت الكويت المفكر المصري الكبير نصر حامد أبو زيد من دخول أراضيها، بذريعة اتهامه بالإلحاد وغيرها من الاتهامات. وأبو زيد تعرفه جيدا من القامات الفكرية الكبيرة التي اشتغلت على التراث العربي الإسلامي. هل ضاق صدر الدول العربية بالاتجاهات النقدية التي تعيد النظر في الفكر والتراث؟

ـ هناك أيضا دولة عربية وجهتْ لي دعوة لزيارتها الأسبوع الماضي، ثم اعتذرت. قالوا إن جواز سفركَ إسرائيلي، في الوقت الذي ذهبت فيه إلى إيران التي اعتبرت قصيدتي جواز سفري.

المشكلة ليست فقط نصر حامد أبو زيد ولا سميح القاسم، هناك مشكلة أكبر في الوعي القومي المهزوم والمشوه، والوعي الإسلامي المزور، حتى على مستوى الكرامة الشخصية، فمن يستطيع أن يمنع أي مثقف عربي من التجوال في وطنه الكبير؟ من يمنعه يفقد صفة العروبة والإسلام معا.